بذلك ظهور معناه من غير احتمال، وكون المذكور فيه منطوقا باسمه الموضوع له، وفي التصريح به دون الإضمار له والكناية عنه)) (1).
وما نراه هو أن الباقلاني تأثر بهذا الاختيار لمدلول النص بإطلاق للنص في لغة المتقدمين من الأصوليين والفقهاء لا سيما الإمام الشافعي، حيث شاع في لغته، المقابلة بين ((النص)) و ((الدلالة)): النص يعني به الملفوظ بعينه، والدلالة يعني بها ما سوى الملفوظ بعينه، كالمدلول عليه التزاما، أو قياسا، أو بعموم لفظ. ومن أمثلة ذلك قول الشافعي عن القرآن الكريم: إن الله ((بيّن فيه ما أحل وما حرّم وما حمد وما ذم وما يكون عبادة وما يكون معصية، نصا أو دلالة)) (2). وفي الأم: ((قلتُ للشافعي: وهكذا نص السنة؟ قال: لا، ولكن هكذا دلالتها)) (3). وقال: ((قلت: أفتجد في التنزيل سقوط الحد عنه؟ قال: أما نصا فلا، وأما استدلالا فنعم)) (4).وقال: ((إن الله جل ثناؤه منَّ على العباد بعقول فدلهم بها على الفرق بين المختلف وهداهم السبيل إلى الحق نصا ودلالة)) (5).
ولولا أن الباقلاني اشترط في النص بهذا الإطلاق أن لا يتطرق إليه الاحتمال لأصاب عين ما أراده الإمام الشافعي بالنص حين قابل بينه وبين الدلالة. فالشافعي
(1) () الباقلاني، التقريب، ج 1، ص 340.
(2) () الشافعي، أحكام القرآن، ج 1، ص 18.
(3) () الشافعي، الأم، ج 4، ص 72.
(4) () الشافعي، الأم، ج 5، ص 135.
(5) () الشافعي، الرسالة، ص 501. هذا ويستخدم فقهاء الحنفية نفس المقابلة بين ((النص)) و ((الدلالة))، لكنهم وإن عنوا بالنص اللفظ إلا أنهم يعنون بالدلالة دلالة الفعل أو الحال. قال ابن نجيم: ((البيان ... نوعان: نص ودلالة ... فالنص أن يعينه بقوله. وأما الدلالة أو الضرورة فهو أن يفعل أو يقول ما يدل على البيان)). ابن نجيم، البحر الرائق، ج 4، ص 268. وقال الكاساني: عن عقد الذمة: ((أما ركن العقد فهو نوعان نص ودلالة. أما النص: فهو لفظ يدل عليه وهو لفظ العهد والعقد على وجه مخصوص. وأما الدلالة: فهي فعل يدل على قبول الجزية)). الكاساني، بدائع الصنائع، ج 7، ص 110.