وعلى كلّ حال؛ فالقراءة الشمولية للأصول الروائية للإمامية - بعد رصّها ورصفها- لم تخرج عن قراءتين شائعتين سائدتين ملازمتين لهم؛ يدينون بها ويدندنون حولها، علماً بأن محتوى إحدى القراءتين يلغي محتوى الأخرى ولا يتعايش معها، لأنهما غير متوائمتين ولا منسجمتين مع بعضهما البعض؛ بل ينقض بعضُها بعضاً ويدفع بعضُها الآخر، ولولا أن العقل الإمامي كان - ولا يزال - مستودعَ الأكاذيب والمخترعات والمختلقات، والمختلفات والمتناقضات، لما وجدت هاتان القراءتان سبيلاً إليه؛ لكن طبيعته وإشكالاته هي التي أملت أن يكون حاضنة مناسبة لتلك القراءتين المتناقضتين.
وثمة قراءة ثالثة؛ لكنها مخفية مطمورة في ركام القراءتين الأوليين والخلوص إليها - بعد النظر والتدقيق - ليس بالأمر الشاق ولا العسير، رغم أنّ القومَ يتفننون في إخفائها وإخفاء معالمها بتأويلها وتحريفها عن غير ما دلَّ عليه ظاهرها وحقيقتها؛ وذلك لأنها تنسجم مع حقيقة الأئمة وحقيقة ما هم عليه من التناسب والتناسق الكبيرين مع معطيات الكتاب والسنّة، ومع الخط العام للأمة، والذي يمثله أهل السنّة والجماعة.
وينبغي أن نشير – هنا – إلى أن لكل قراءة من القراءات الشائعة عندهم؛ ترجمةً سلوكيةً في الواقع الشيعي نصبغه بصبغتها وتصهره في بوتقتها؛ فهي ليست مرويات جامدة لا أثر لها ولا حركة؛ بل هي تبني الفرد الشيعيَّ على أساسها، وتُشكِّله بأشكالها، وتطليه بطلائها، وبالتالي فهي واقع معاش تنعكس فيه سلوكاً ومنهجاً، قولاً وعملاً.
وعليه، فالدراسة التي بين أيديكم؛ كما أنها كشفت عن حقيقة التشيّع الإمامي من خلال القراءات التي أشرنا إليها آنفاً؛ فكذلك أشارت إلى آثارها وأخطارها في الواقع الشيعي تمثيلاً وأداءاً.