النص: قال المتنبي هذه القصيدة في يوم عرفة قبل رحيله عن كافور الأخشيدى في مصر بيوم واحد:
عيدٌ بِأيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ ... بما مَضَى أم بِأَمرٍ فيكَ تَجْديدُ
أمّا الأحِبّةُ فَالبَيْداءُ دُونهُمُ ... فليتَ دونك بِيداً دُونها بِيدُ
لولا العُلَى لم تَجُبْ بي ما أجوبُ بها ... وَجْنَاءُ حَرْفٌ ولا جرداءُ قَيْدُودُ
وكان أطيبَ من سَيْفي مُضَاجَعةً ... أَشْباهُ رَوْنقِهِ الغِيدُ الأَمَاليدُ
لم يترُكِ الدَّهرُ مِنْ قَلْبي ولا كبدي ... شيئاً تُتيّمُهُ عَيْنٌ ولا جِيدُ
يا ساقِيَيَّ أخمرٌ في كُئُوسِكما ... أَمْ في كُئُوسكُما هَمٌّ وتسهيدُ
أَ صَخْرَةٌ أنا؟ مالي لا تُحرَّكُني ... هذي المُدامُ ولا هِذي الأغاريدُ
إذا أَرَدْتُ كُمَيْتَ اللَّونِ صافِيَةً ... وَجَدْتُها وحبيبُ النَّفسِ مفقودُ
ماذا لَقِيتُ مِنَ الدُّنْيا وأَعجَبُهُ ... أَني بما أنَا باكٍ منه محسودُ
أَمْسَيْتُ أَرْوَح مُثْرٍ خازنًا ويداً ... أَنا الغنيُّ وأَموالي المَوَاعيدُ
إِنّي نَزَلْتُ بِكَذّابينَ ضَيْفُهُمْ ... عَنِ القِرَى وعن التَّرْحَالِ محدودُ
جُودُ الرَّجالِ من الأيدِي وَجُودهُمُ ... مِنَ اللِّسانِ فلا كانُوا ولا الجُودُ
ما يَقْبِضُ الموتُ نَفْسًا مِنْ نُفُوسهِمِ ... إِلاّ وفي يدِهِ مِنْ نَتْنِها عُودُ
مِنْ كُلَّ رِخْوٍ وِكاءِ البَطْنَ مُنْفَتِقٍ ... لا في الرَّجال ولا النسوان مَعْدُودُ
أَ كُلَّما اغْتَالَ عَبدُ السُّوءِ سَيدَهُ ... أَو خَانَهُ فَلهُ في مِصْرَ تَمْهيدُ
صَارَ الخَصِيُّ إِمامَ الآبِقينَ بها ... فَالحُرُّ مُسْتَعْبَدٌ وَ العَبْدُ معبودُ
نامَتْ نواطيرُ مِصْرٍ عَنْ ثعالبها ... فَقَدْ بَشِمْنَ وما تفنى العناقِيدُ
العبدُ ليس لِحُرٍّ صالحٍ بِأَخٍ ... لو أَنّه في ثيابِ الحُرِّ مَولودُ
لا تشتَرِ الْعَبْدَ إِلاَّ وَالْعَصَا مَعَهُ ... إِنّ العَبيدَ لأنجاسٌ مناكِيدُ
ما كنتُ احسبني أَحْيَا إلى زَمَنٍ ... يُسِيءُ بِي فيه كَلْبٌ وهو محمودُ
ولا تَوَهَّمْتُ أن النّاس قد فُقِدوا ... وأَنَّ مِثْلَ أبي البيضاءِ موجودُ
وأنَّ ذا الأَسودَ المثقُوبَ مِشْفَرُهُ ... تُطِيعُهُ ذي العَضَاريط الرَّعادِيدُ
جَوْعانُ يأكلُ مِن زادي ويُمِسكُني ... لكي يُقالَ عظيمُ القدْرِ مقصودُ
إِنَّ امْرءاً أَمَةٌ حُبلى تدَبّرُهُ ... لَمُسْتَضامٌ سَخِينُ العَيْنِ مَفْئُودُ
وَيلمِّها خُطّةً وَيْلُمَّ قَابِلها ... لِمِثْلِها خُلِقَ المَهْرِيَةُ القُودُ