تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ـ ولا تَوَهَّمْتُ أن النّاس قد فُقِدوا ... وأَنَّ مِثْلَ أبي البيضاءِ موجودُ

ـ وأنَّ ذا الأَسودَ المثقُوبَ مِشْفَرُهُ ... تُطِيعُهُ ذي العَضَاريطُ الرَّعادِيدُ

ـ من علَّمَ الأسودَ اَلمخْصِيَّ مَكْرُمَةً ... أَقَومُهُ البِيضُ أم آباؤُهُ الصِّيدُ

ـ وذاك أَنَّ الفُحولَ البِيضَ عاجِزةٌ ... عَنِ الجميلِ فكيفَ الخِصيَةُ السُّودُ

يكاد اللونان الأسود والأبيض يشكلان أعلى نسبةً من بين الألوان كافةً في تصوير اللوحة الشعرية ليفيد الشاعرُ من طاقاتهما التعبيرية للكشف عن دواخل نفسه وخفايا قلبه، فاللون الأسود العائد على كافور الإخشيدي يحيل إلى دلالة اللؤم والوضاعة، فهو المظهر الشكلي والمعلم الفني للمهجو لينفي عنه الأفعال الكريمة الباعثة على إخلاص الود وإشراق الوجوه، ولا شك في أن المتنبي قد استغل هذا الإيحاء الدلالي انطلاقاً من ارتباط اللون الأسود بفكرة العبودية وما يتصل بها من العجز عن إنجاز الفعل الأخلاقي الكريم، ويلحظ أن اللون الأسود في المواضع الثلاثة يتضافر تركيبياً مع صفات سلبية (الأسود المثقوب مشفره ـ الأسود المخصي ـ الخصية السود) لتعمق ملامح العبودية البادية على هيأة المهجو وشكله.

ولا يكتفي الشاعر بإلحاق اللون الأسود بالمهجو، بل يعمد إلى اللون الأبيض ليقلب دلالته في سياق ساخر فيجعله هو الأخر ملتصقاً به، وكأني بالمتنبي لم يشبع اللون الأسود حاسته الفنية ورؤيته البصرية في التعبير عن استخفافه بالخصم، فعمد إلى تكثيف ذلك عبر التضاد اللوني، إذ اللون الأبيض رمزٌ للنقاء والصفاء والوضوح، بيد أن السياق الأسلوبي حول هذه الدلالات الإيجابية إلى دلالات سلبية ربما كانت اشدّ إيلاماً على المهجو لانفتاحها على معاني السخرية الضمنية، واكثر انتباهاً للقارئ لانطوائها على المفارقة الشكلية التي تمده بمتعة فنية ومفاجأة ذهنية في آن معاً، ولا يخفى أن هذا الاستخدام المثير للون يدل على قوة الشاعرية ويجعل مدلولات الألوان الإضافية أغنى إيحاء، لأن "كلمات الألوان لا تحيل إلى الألوان ذاتها، أو تحيل إليها في اللحظة الأولى فحسب، أما في اللحظة الثانية فان اللون نفسه يتحول إلى دال يؤدي دلالة ذات طبيعة وجدانية" (1).

وقد يجمع المتنبي بين اللون الأسود واللون الأبيض في ثنائية جدلية ليعبر من خلالها عّما عليه المهجو من الحاضر المذل (كافور الأسود) والماضي البئيس (آباؤه البيض):

من علَّمَ الأسودَ اَلمخْصِيَّ مَكْرُمَةً ... أَقَومُهُ البِيضُ أم آباؤُهُ الصِّيدُ

أو يجعل هذه العلاقة التضادية بين اللونين بديلاً فنياً للتقابل الدلالي بين مكرمات الفحول ومخزيات الخصوم:

وذاك أَنَّ الفُحولَ البِيضَ عاجِزةٌ ... عَنِ الجميلِ فكيفَ الخِصيَةُ السُّودُ

(1) نظرية البنائية في النقد الأدبي، د. صلاح فضل، دار الشؤون الثقافية العامة، ط3، 1987: 359.

قراءة أسلوبية في قصيدة (عيد) للمتنبي · الصفحة ١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قراءة أسلوبية في قصيدة (عيد) للمتنبيص ١٢