وحين استبد الحنينُ بالشاعر إلى استذكار أهله راح يخاطب البيداء على طريقة التشخيص أيضاً: ...
أمّا الأحِبّةُ فَالبَيْداءُ دُونهُمُ ... فليتَ دونك بِيداً دُونها بِيدُ
ذلك لأن الفلاة القصية الأطراف صارت عائقاً مكانياً يحول بين المتنبي وأحبته في صمت دائم، فليس أمامه إذ ذاك سوى جعل هذا الحائل الطبيعي إنساناً يعي دخيلة الشاعر الحزينة ولوعاته الحرية عساه يجيب نداءاته فيخفف من وطأته الثقيلة.
وقد يستحيل التشخيص لدى الشاعر رؤيةً داخلية ترسم أبعاد الصورة الهجائية المثيرة، إذ يقول:
ما يقبض الموتُ نَفْسًا مِنْ نُفُوسهِمِ ... إِلاّ وفي يدِهِ مِنْ نَتْنِها عُودُ
لقد غدا الموتُ بأشباحه رجلاً عابساً يطارد المهجوين حتى إذا أخذهم واحداً تلو الآخر فيقبض أرواحهم، وهو إذ يفعل ذاك يستنكف أن يأخذ أرواحهم بيده، و إنما يأخذ بيده عوداً مثلما يفعل بالجيفة أو الميتة.
يتكئ النص الشعري على الكناية بوصفها عنصراً بيانياً يؤدي المعنى أداء غير مباشر، على نحو قوله:
مِنْ كُلَّ رِخْوٍ وِكاءِ البَطْنَ مُنْفَتِقٍ ... لا في الرَّجال ولا النَسوانِ مَعْدُودُ
يكمن البعد الكنائي في وكاء البطن، إذ يدل في ظاهره على ما يشدّ به البطن مثل القربة، لكن عند التأمل ينتقل المعنى إلى مدلول آخر يحيل على أن المهجو (كافور) فساء ضراط لا يوكي على ما في بطنه من الريح.
وإذ أراد المتنبي أن يصور ضآلة المهجو وقلة شأنه يوظف الكناية لإنتاج الدلالة المرجوة في مثل قوله:
أّمْ أذنه في يَدِي النّخَّاسِ داميةً ... أَمْ قَدْرُهُ وهو بالْفَلْسَيْنِ مَرْدودُ
إن البيت كله أسلوب كنائي يرسم المهجو، وهو في قبضة بيّاع الرقيق (النخاس) الذي يسم أذنه علامة على كونه عبداً، والنخاس يريد أن يبيعه بثمن بخس (فلسين) لكنه مع ذلك مردود على صاحبه لتفاهته وحقارته.
وقد اتخذت تقنية المفارقة طريقها إلى شعر المتنبي، وما المفارقة إلاّ "تعبير لغوي بأسلوب بليغ يهدف إلى استثارة القارئ وتحفيز ذهنه لتجاوز المعنى الظاهري المتناقض للعبارة والوصول إلى المعاني الخفية التي هي مرام الشاعر الحقيقي" (1)، ونظراً لإحساس المتنبي بجدوى المفارقة في إخصاب الفن الشعري، ترى شعره حافلاً بألوان من المفارقة اللفظية والساخرة وأحياناً الفكرية والفلسفية، والمفارقة تقوم أساساً على الجمع بين المتناقضين أو المتنافرين دلالياً على مستوى السطح (2)، والتناقض سمة بارزة في حياة
(1) المفارقة في شعر المتنبي، د. عبد الهادي خضير نيشان، مقدّم إلى ندوة بغداد السادسة المنعقدة في كلية التربية للبنات، جامعة بغداد، نيسان، 1997: 2.
(2) جماليات الأسلوب والتلقي، د. موسى ربابعة، مؤسسة حمادة للدراسات الجامعية والنشر والتوزيع، ط1،2000،: 11.