تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَلَيْسَ يَطْلُبُنِي فِي أَمْرِ غَانِيَةٍ ... إِلَّا كَعَمْرٍو وَمَا عَمْرٌو مِنَ الْأَحَدِ

قَالَ: وَلَوْ قُلْتَ: مَا هُوَ مِنَ الْإِنْسَانِ، تُرِيدُ مَا هُوَ مِنَ النَّاسِ، أَصَبْتَ. وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْقُرَّاءِ عَلَى تَنْوِينِ أَحَدٍ. وَقَدْ قَرَأَهُ بَعْضُهُمْ بِتَرْكِ التَّنْوِينِ، وَقُرِئَ بِإِسْكَانِ الدَّالِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَأَجْوَدُهَا الرَّفْعُ بِإِثْبَاتِ التَّنْوِينِ فِي الْمُرُورِ، وَإِنَّمَا كُسِرَ التَّنْوِينُ لِسُكُونِهِ وَسُكُونِ اللَّامِ مِنَ اللَّهِ، وَمَنْ حَذَفَ التَّنْوِينَ فَلِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ أَيْضًا. وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: هُوَ اللَّهُ، فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ الْمَعْلُومِ قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ ; الْمَعْنَى: الَّذِي سَأَلْتُمْ تَبْيِينَ نَسَبِهِ هُوَ اللَّهُ، وَأَحَدٌ مَرْفُوعٌ عَلَى مَعْنَى هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَرَوِيَ فِي التَّفْسِيرِ: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ لِلَّهِ نَسَبًا انْتَسَبَ إِلَيْهِ، وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ نَفْيُ النَّسَبِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى الْوَاحِدِ ; لِأَنَّ الْأَنْسَابَ إِنَّمَا تَكُونُ لِلْمَخْلُوقِينَ، وَاللَّهُ تَعَالَى صِفَتُهُ أَنَّهُ لَمْ يَلِدْ وَلَدًا يُنْسَبُ إِلَيْهِ، وَلَمْ يُولَدْ فَيَنْتَسِبُ إِلَى وَالِدٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ وَلَا يَكُونُ فَيُشَبَّهُ بِهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنِ افْتِرَاءِ الْمُفْتَرِينَ، وَتَقَدَّسَ عَنْ إِلْحَادِ الْمُشْرِكِينَ، وَسُبْحَانَهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ وَالْجَاحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَالْوَاحِدُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا ثَانِيَ لَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُنْعَتَ الشَّيْءُ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ، فَأَمَّا أَحَدٌ فَلَا يُنْعَتُ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى لِخُلُوصِ هَذَا الِاسْمِ الشَّرِيفِ لَهُ، جَلَّ ثَنَاؤُهُ. وَتَقُولُ: أَحَّدْتُ اللَّهَ تَعَالَى وَوَحَّدْتُهُ، وَهُوَ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ ذَكَرَ اللَّهَ وَأَوْمَأَ بِإِصْبَعَيْهِ فَقَالَ لَهُ: أَحِّدْ أَحِّدْ، أَيْ أَشِرْ بِإِصْبَعٍ وَاحِدَةٍ. قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُ النَّاسِ: تَوَحَّدَ اللَّهُ بِالْأَمْرِ وَتَفَرَّدَ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ أَلْفِظَ بِهِ فِي صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمَعْنَى إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي التَّنْزِيلِ أَوْ فِي السُّنَّةِ، وَلَمْ أَجِدِ الْمُتَوَحِّدَ فِي صِفَاتِهِ وَلَا الْمُتَفَرِّدَ، وَإِنَّمَا نَنْتَهِي

قل آمنت بالله، ثم استقم · الصفحة ٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قل آمنت بالله، ثم استقمص ٢٦