تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بِحَبْلِ اللَّهِ) وَثَالِثًا: بِذِكْرِ نِعَمِ اللَّهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) وَالسَّبَبُ فِي هَذَا التَّرْتِيبِ أَنَّ فِعْلَ الْإِنْسَانِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُعَلَّلًا، إِمَّا بِالرَّهْبَةِ وَإِمَّا بِالرَّغْبَةِ، وَالرَّهْبَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الرَّغْبَةِ، لِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ النَّفْعِ، فَقَوْلُهُ: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) إِشَارَةٌ إِلَى التَّخْوِيفِ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ جَعَلَهُ سَبَبًا لِلْأَمْرِ بِالتَّمَسُّكِ بِدِينِ اللَّهِ وَالِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللَّهِ، ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِالرَّغْبَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) فَكَأَنَّهُ قَالَ: خَوْفُ عِقَابِ اللَّهِ يُوجِبُ ذَلِكَ، وَكَثْرَةُ نِعَمِ اللَّهِ تُوجِبُ ذَلِكَ فَلَمْ تَبْقَ جِهَةٌ مِنَ الْجِهَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلْفِعْلِ إِلَّا وَهِيَ حَاصِلَةٌ فِي وُجُوبِ انْقِيَادِكُمْ لِأَمْرِ اللَّهِ وَوُجُوبِ طَاعَتِكُمْ لِحُكْمِ اللَّهِ، فَظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُرَتَّبَةٌ عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ، وَلْنَرْجِعْ إِلَى التَّفْسِيرِ.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) فَفِيهِ مَسَائِلُ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ وَذَلِكَ لِمَا يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ حَقَّ تُقَاتِهِ: أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَنْ يُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرُ، وَأَنْ يُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، وَالْعِبَادُ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ هَذِهِ (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التَّغَابُنِ: 16] وَنَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَوَّلَهَا وَلَمْ يُنْسَخْ آخِرُهَا وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) وَزَعَمَ جُمْهُورُ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الْقَوْلَ بِهَذَا النَّسْخِ بَاطِلٌ وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ. الْأَوَّلُ: مَا رُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لَهُ: " هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: هُوَ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا " وَهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ. الثَّانِي: أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) أَيْ كَمَا يَحِقُّ أَنْ يُتَّقَى، وَذَلِكَ بِأَنْ يُجْتَنَبَ جَمِيعُ مَعَاصِيهِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنَّ يُنْسَخَ لِأَنَّهُ إِبَاحَةٌ لِبَعْضِ الْمَعَاصِي، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ مَعْنَى هَذَا وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التَّغَابُنِ: 16] وَاحِدًا لِأَنَّ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ فَقَدِ اتَّقَاهُ

قل آمنت بالله، ثم استقم · الصفحة ١٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قل آمنت بالله، ثم استقمص ١٧٣