تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَإِنَّمَا خَصَّ أُولِي الْأَلْبَابِ بِالذِّكْرِ فِي عَجُزِ الْآيَةِ بَعْدَ مُخَاطَبَةِ كُلِّ مُكَلَّفٍ فِي صَدْرِهَا لِأَنَّ أَهْلَ الْبَصِيرَةِ وَالرَّوِيَّةِ مِنَ الْعُقَلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهَا أَوَائِلُهَا وَمُقَدِّمَاتُهَا، بَعْدَ التَّأَمُّلِ فِي حَقِيقَتِهَا وَصِفَاتِهَا، فَلَا يُصِرُّونَ عَلَى الْغُرُورِ بِكَثْرَةِ الْخَبِيثِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ وَالتَّذْكِيرِ، وَأَمَّا الْأَغْرَارُ وَالْغَافِلُونَ الَّذِينَ لَمْ يُمَرِّنُوا عُقُولَهُمْ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ فِي النَّظَرِ وَالِاعْتِبَارِ بِالتَّجَارِبِ وَالْحِكَمِ، فَلَا يُفِيدُهُمْ وَعْظُ وَاعِظٍ وَلَا تَذْكِيرُ مُذَكِّرٍ، بَلْ لَا يَعْتَبِرُونَ بِمَا يَرَوْنَ بِأَعْيُنِهِمْ وَيَسْمَعُونَ بِآذَانِهِمْ مِنْ حَوَادِثِ الْأَغْنِيَاءِ الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَمْوَالُهُمُ الْكَثِيرَةُ الْمَجْمُوعَةُ مِنَ الْحَرَامِ، وَلَا مِنْ عَوَاقِبِ الْأُمَمِ وَالدُّوَلِ الَّتِي اضْمَحَلَّتْ كَثْرَتُهَا الْعَاطِلَةُ مِنْ فَضِيلَتَيِ الْعِلْمِ وَالنِّظَامِ، وَكَيْفَ وَرِثَ هَؤُلَاءِ وَأُولَئِكَ مَنْ كَانُوا أَقَلَّ مَالًا وَرِجَالًا، إِذْ كَانُوا أَفْضَلَ أَخْلَاقًا وَأَعْمَالًا (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).

ورُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَبِيثِ هُنَا الْمُشْرِكُونَ وَبِالطَّيِّبِ الْمُؤْمِنُونَ، وَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " لَدِرْهَمٌ حَلَالٌ أَتَصَدَّقُ بِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مَنْ مِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ حَرَامٍ فَإِنْ شِئْتُمْ فَاقْرَءُوا كِتَابَ اللَّهِ: (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ) وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْإِسْكَنْدَرَانِيِّ قَالَ: كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْضُ عُمَّالِهِ يَذْكُرُ أَنَّ الْخَرَاجَ قَدِ انْكَسَرَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: " إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: (لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ فِي الْعَدْلِ وَالْإِصْلَاحِ وَالْإِحْسَانِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ فِي الظُّلْمِ وَالْفُجُورِ وَالْعُدْوَانِ فَافْعَلْ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ).

فَهَذِهِ الْآيَةُ قَاعِدَةٌ فِي التَّشْرِيعِ وَبُرْهَانٌ لِلْقِيَاسِ الصَّحِيحِ وَأَصْلٌ لِلْأَدَبِ وَالتَّهْذِيبِ " (1).

(1) تفسير المنار ... » سورة المائدة ... » تفسير قوله تعالى اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم» الجزء السابع

قل آمنت بالله، ثم استقم · الصفحة ١٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قل آمنت بالله، ثم استقمص ١٧١