فإن الأنظمة الفردية أدركت ذلك، فانشغلت عن بناء الوطن ببناء العروش، ونظرة سريعة لواقع الحال في الوطن العربي، تُظهر بوضوح ما أُشير إليه. وهكذا تقاطعت الأنظمة الملكية والجمهورية وتداخلت، حتى باتت تجمعها عوامل قبح مشتركة، من أهمها الخصائص الأربع التي ذكرها الكاتب أنطون مقدسي، والتي آلت إليها الأحوال في الوطن العربي بهذا الشكل المتردي، والذي، فيما أعتقد، لم نر مثيلاً له في تاريخنا ا لقديم والمعاصر ولا في أي منطقة جغرافية من الكرة الأرضية، حيث أصبحت الأنظمة العربية مجرد كيانات حاكمة، يفتقر كل كيان منها إلى أبسط مقومات الدولة بمفهومها الطبيعي. وإلا كيف نفسر خطة الإدارة الأميركية التي أعلنتها جهاراً عياناً قبيل حربها على العراق، وعلى لسان وزير الخارجية كولن باول وغيره من المسؤولين الأميركيين، الذين قالوا إنهم يأتون إلى "الشرق الأوسط" حسب تعبيرهم، ليعيدوا رسم خارطة المنطقة. هذا الكلام الخطير يشكل أكبر إهانة للأنظمة العربية، لا للشعب العربي الذي جعلته تلك الأنظمة لا حول له ولا قوة، ومع ذلك لم نجد نظاماً عربياً واحداً تجرأ واهتم وقلق من هذه التصريحات، وأعلن احتجاجه أو شجبه واستنكاره لذلك. إن الخوف والجبن حلَّ في قلوب القائمين على أولي الأمر منا، لدرجة أن أحد المحللين السياسيين وصف تلك الأنظمة بالنعامات التي تدفن رؤوسها في الرمال، وكل واحدة منها تدعو الله أن تقع الضربة بعيداً عن رأسها، ولا يهم عندها، إن وقعت على رأس أختها أو ابنة عمها، وينطبق عليها حينئذٍ المثل العربي: انجُ سعد فقد هلك سعيد".
لماذا العراق..!!؟
قد تبدو الإجابة على هذا السؤال سهلةً وواضحةً وبيّنةً، ولكنها، إن كانت كذلك فعلاً، فهي تحتاج إلى تفصيل وتحليل، لكي تبدو الصورة جليّة وأكثر وضوحاً، ولذلك نقول إن احتلال الولايات المتحدة للعراق، له أسباب ودوافع عديدة، منها أسباب مباشرة، وأخرى غير مباشرة.