تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3. وأما وصف الظن بكونه أكذب الحديث , مع أن تعمد الكذب الذي لا يستند إلى ظن أصلا أشد من الأمر الذي يستند إلى الظن , فللإشارة إلى أن الظن المنهي عنه هو الذي لا يستند إلى شيء يجوز الاعتماد عليه فيعتمد عليه ويجعل أصلا ويجزم به , فيكون الجازم به كاذبا ; وإنما صار أشد من الكاذب لأن الكذب في أصله مستقبح مستغنى عن ذمه , بخلاف هذا فإن صاحبه يزعم أنه مستند إلى شيء فوصف بكونه أشد الكذب مبالغة في ذمه والتنفير منه , وإشارة إلى أن الاغترار به أكثر من الكذب المحض لخفائه غالبا ووضوح الكذب المحض.

4. قوله : ( فإن الظن أكذب الحديث ) قد استشكلت تسمية الظن حديثا , وأجيب بأن المراد بالظن هنا عدم مطابقة الواقع سواء كان قولا أو فعلا , ويحتمل أن يكون المراد ما ينشأ عن الظن فوصف الظن به مجازا .

5. قوله : ( ولا تحسسوا ولا تجسسوا ) إحدى الكلمتين بالجيم والأخرى بالحاء , قيل بالجيم البحث عن عوراتهم وبالحاء استماع حديث القوم , وهذا رواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير أحد صغار التابعين . وقيل بالجيم البحث عن بواطن الأمور وأكثر ما يقال في الشر , وبالحاء البحث عما يدرك بحاسة العين والأذن ورجح هذا القرطبي .

6. ويستثنى من النهي عن التجسس ما لو تعين طريقا إلى إنقاذ نفس من الهلاك مثلا كأن يخبر ثقة بأن فلانا خلا بشخص ليقتله ظلما , أو بامرأة ليزني بها , فيشرع في هذه الصورة التجسس والبحث عن ذلك حذرا من فوات استدراكه , نقله النووي عن " الأحكام السلطانية " للماوردي واستجاده , وأن كلامه : ليس للمحتسب(1)أن يبحث عما لم يظهر من المحرمات ولو غلب على الظن استسرار أهلها بها إلا هذه الصورة(2).

(1) المحتسب : هو ولي الأمر من رجال شرطة و القضاء المكلفين بحماية عورات المسلمين .

(2) والكلام للحافظ ابن حجر فى فتح الباري .

قبس من نور النبوة · الصفحة ٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قبس من نور النبوةص ٦٦