ستشهد الشهور القادمة حسم هذه المسائل الثلاث، سلباً أو إِيجابياً. والسلب والإِيجاب هنا، ليس أمراً قدرياً محضاً من قبيل المصادفات؛ ولكنه السلب والإِيجاب الذي يحكمه قانون الأسباب، وهو من القدر أيضاً. بمعنى آخر: فإن الأسباب المبذولة من كل طرف لنصرة قضيته ودعمها بعد فهمها هي التي ستوجه المؤشرات نحو هذا الحل أو ذاك. (وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْض) (محمد:4).
إِن هذا الأمر يدعونا إِلى أن نطرح سؤالاً كبيراً يحوي أسئلة ثلاثاً وهي: ماذا تعني (القدس) بالنسبة لليهود، وماذا عملوا من أجلها على مدى خمسين عاماً؟ وماذا تعني (القدس) بالنسبة للنصارى، وماذا عملوا من أجلها على مدى تلك الخمسين وما قبلها؟ وماذا تعني (القدس) بالنسبة للعرب والمسلمين؟ وماذا عملوا من أجلها خلال ما مضى من عمر القضية؟!
مَنْ مِن هذه القوى يملك خياره؟ بل مَنْ منها سيفرض خياره؟
ماذا تعنى القدس عند اليهود؟
هم يطلقون عليها (يورشلايم) أو (أورشليم)، أي: مدينة السلام، التي سيقودون العالم منها تحت قيادة (ملك السلام)! هكذا نسبوا للتوراة. ففي التوراة كمّ كثيف من الحديث عنها؟ حيت ذُكرت فيها نحواً من ستمائة وثمانين مرة، ويطلق اليهود على القدس أيضاً (صهيون) نسبة إِلى الجبل الموجود فيها والمسمى بهذا الاسم الذي انتسبت إليه الحركة الصهيونية، ويطلقون على القدس أيضاً -كما في التوراة- (مدينة الإِله) و (مدينة العدل) و (مدينة الحق) و (مدينة الشعب المختار) وأيضاً يطلقون عليها (أريئيل) يعني: أسد الله. وكل هذه المعاني تشير إِلى مغزىً واحد، وهو ارتباط تلك المدينة بالعقيدة والشريعة اليهودية؛ حيث فرضت تلك الشريعة على اليهود أن يحجوا إِليها ثلاث مرات في العام، وأن يتوجهوا إِليها دون أرضٍ غيرها في العالم.