الأحزاب:
في مصر أحزاب كثيرة، تقليدا لأحزاب البلاد الأوربية، ولكنها في أوربة مبنية على اختلاف البرامج، فكل حزب له برنامج خاص، ينتسب إليه من اعتنق مذهبه كحرية التجارة وتأميم المناجم، أما في مصر فتكاد تكون اختلافات أفراد، بعض الناس يتصلون برجل، فيكونون حزبا، وآخرون يتصلون بآخر، فيكونون حزبا آخر، والأحزاب في مصر قريبة العهد، بدأت تقريبا حوالي سنة 1906، وكانت في مصر ثلاثة : الحزب الوطني، وحزب الإصلاح على المبادئ الدستورية، وحزب الأمة.
الحزب الوطني:
أسسه مصطفى كامل باشا، ودعاه إلى ذلك ما شعر به من تأخر صحته وكان برنامجا واسعا طموحا، يغري الشبان باعتناقه وهو استقلال مصر وتكوين دستور البلاد، بحيث تكون الهيئة التنفيذية مسئولة أمام مجلس نيابي تام السلطة، واحترام المعاهدات الدولية والاتفاقات المالية التي ارتبطت بها الحكومة المصرية بالنسبة لسداد الديون، والصراحة في انتقاد الأعمال الضارة، وتشجيع الأعمال النافعة، والعمل لنشر التعليم على أساس وطني صحيح بحيث ينال الفقراء أوفى نصيب، وترقية التجارة والصناعة والزراعة، وبث الشعور الوطني في الشعب وإفهامه حقوقه الوطنية، ودعوته للتعاون، والعناية بالشؤون الصحية، وبث روح المحبة بين المصرين والأجانب، وتقوية العلاقة بين مصر والدولة العلية، والدعاية لمصر في الخارج، ونفي كل شبهة عنها يلصقها بها خصومها، ويشترط لقبول الأعضاء في الحزب الوطني أن يكون الطالب مصريا معروفا بالأخلاق الفاضلة لم تصدر عليه أحكام تمس شرفه وسمعته، وألا يكون عضوا في حزب آخر.
حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية: «بعد تأليف الحزب الوطني رأى الشيخ علي يوسف صاحب المؤيد إنشاء حزب آخر وسماه حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية»، وكان من أغراضه خدمة الخديو عباس والدفاع عنه، وخصوصا أن الحزب الوطني تخلى عن الخديوي وهاجمه، وكان برنامجه تأييد السلطة الخديوية، والمطالبة بتحقيق الوعود والتصريحات التي أعلنتها بريطانيا العظمى عند احتلالها لمصر، والمطالبة بمجلس نيابي في مصر ليكون تام السلطة، وأن يكون التعليم الابتدائي عاما ومجانا، وأن تكون اللغة العربية لغة التعليم في البلاد، وأن تعطى الوظائف في المصالح المصرية للوطنيين على حسب الكفاءة، وأن تكون محاكمة الأجانب جنائيا أمام المحاكم المختلطة، وقد كان رئيس هذا الحزب الشيخ علي يوسف ووكيله أحمد باشا حشمت.
حزب الأمة:
ألفه المرحومان محمود سليمان باشا وحسن باشا عبد الرازق وأنشأ جريدة له اسمها «الجريدة»، كان رئيس تحريرها أحمد لطفي السيد باشا، وكان الخديوي يخشى أن يكون لسعد زغلول باشا وأحمد فتحي زغلول باشا دخل في هذا الحزب، وتلخص مبادئه فيما يلي: معاضدة حركة التعليم ونشره بكافة الطرق، وجعله إجباريا في التعليم الأولي والابتدائي، والحصول على حق البلاد الطبيعي في الاشتراك مع الحكومة في وضع القوانين والمشروعات العامة، وتوسيع اختصاص مجالس المديريات، ومجلس شورى القوانين تدرجا إلى المجلس النيابي، وتوسيع نطاق الجمعية الزراعية، توصلا إلى تقدم البلاد الزراعي وعدم إهمال الصناعة والتجارة والعمل على ترقيتها، وقد ظهر فيما بعد أن سعد باشا وفتحي زغلول باشا يعملان سرا على تأييد هذا الحزب، وقد علق عليه اللورد كرومر أملا كبيرا في مناهضة الخديوي عباس، ولكن ...
اشتدت المنازعات بين هذه الأحزاب الثلاثة وبلغت حد السباب والمهاترة، ثم جاء الوفد فاكتسح هذه الأحزاب كلها، ولم يسم نفسه حزبا، بل قال: إنه نائب عن الأمة كلها ولم يبق إلا الحزب الوطني ثم انقسم الوفد أقساما، فخرج منه جماعة وتسموا: الدستوريين أو الحزب الدستوري ورئيسهم اليوم الدكتور هيكل باشا، والسعديين وكان رئيسهم إبراهيم عبد الهادي باشا، ومن الأسف أنه عند الانتخاب لا تعرض البرامج ولا يتم الانتخاب عليها، وإنما تعرض الأشخاص، ومعنى الحزب الفلاني أنه ينتمي إلى الرئيس الفلاني، فإما لأنه تربطه به رابطة ما، وإما لاتحاد أعضاء الحزب في عقليات متشابهة.