تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا الأصل، وهذه الأحكام وإنْ كان كُلّ واحد منها متعلقاً بنازلة خاصّة، قد بلغت من الكثرة مبلغ ما يدلُّ على قصد الشَّارع إلى سد ذرائع الفساد، فتكون هذه الأحكام الكثيرة بمنزلة قول عام يرد في القرآن أو السُّنَّة مصرّحاً لبناء الأحكام على سدّ الذَّرائع" (1).

ومثَّل لها ابن القيم بتسعة وتسعين مثالاً (2)، وقال: "إنَّ سدّ الذَّرائع ربع التَّكليف؛ لأنَّه إمَّا أمر أو نهي، والأمر نوعان: أحدهما: مقصود لنفسه، والثَّاني: وسيلة إلى المقصود. والنَّهي نوعان: أحدهما: المنهي عنه مفسدة بنفسه، والثَّاني: وسيلة إلى المفسدة. فصار سدّ الذَّرائع المفضية إلى الحرام ربع الدِّين.

وزعم بعض المعاصرين مِمَنْ ألَّفوا في مقاصد الشَّريعة أنَّ "لمبحث سدّ الذَّرائع تعلُّقاً قويّاً بمبحث التَّحليل" (3).

والواقع ـ كما قال ابن القيم (4) ـ أنَّ تجويز الحيل يناقض سدّ الذَّرائع مناقضة ظاهرة، فالشَّارع يسد الطَّريق إلى المفاسد بكُلّ ممكن، والمحتال يفتح الطَّريق إليها بكُلّ حيلة، فأين مَنْ يمنع الجائز خشية الوقوع في المحرَّم مِمَنْ يعمل الحيلة في التَّوصُّل إليه؟

والفرق بين الذَّريعة والحيلة أنَّ الأولى لا يلزم أنْ تكون مقصودة، والحيلة لا بُدَّ من قصدها للتَّخلُّص من المحرَّم.

ثُمَّ إنَّ الحيلة تجري في العقود خاصّة، بينما الذَّريعة تعم العقود وغيرها، وتشمل الأفعال والتّروك ـ كما أوضحنا ـ.

وبعد أنْ قال القرطبيّ أنَّ سدّ الذَّرائع مذهب مالك وأصحابه، وحكى مخالفة أكثر النَّاس في القول به كأصل من الأصول قال: إنَّ المخالفين عملوا به في أكثر فروعهم تفصيلاً، وزعم أنَّ ما يفضي إلى الوقوع في المحظور قطعاً ليس من هذا الباب؛ بل من باب ما لا خلاص من الحرام إلاَّ باجتنابه، فيحرم فعله، قياساً على قولهم: كُلّ ما لا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجب. أمَّا الذي لا يقطع بإفضائه إلى الحرام فإمَّا أنْ يفضي إليه غالباً أو ينفكّ عنه غالباً أو يتساوى فيه الأمران، وهذا ما يُسمَّى بالذَّرائع

(1) رسائل الإصلاح، 3/ 57، نقلاً عن: مقاصد الشَّريعة الإسلاميّة لعلال الفاسيّ، ص 156.

(2) إعلام الموقعين، 3/ 137.

(3) مقاصد الشَّريعة: للفاسيّ، ص 157.

(4) إعلام الموقعين، 3/ 137.

قاعدة سد الذرائع في أصول الفقه · الصفحة ١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قاعدة سد الذرائع في أصول الفقهص ١١