ومما يستأنس به لهذا التفويض المصلحي: المسألة التي وقعت لمحمد بن الحسن - رحمه الله تعالى - في سفره، فقد مات بعض أصحابه فباع كتبه وأمتعته، فقيل له: كيف تفعل ذلك ولست بقاضٍ، فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة (220)] (1)، يعني: أن ذلك من المصلح المأذون فيه عادة، فإنه لو حمل متاعه إلى أهله يحتاج إلى نفقة ربما استغرقت المتاع، لكن للورثة الخيار (2)، والقاعدة الحاكمة لهذا النوع من التصرفات هي القاعدة المشهورة: التصرف على الرعية منوط بالمصلحة (3).
وهل تصرف هذه الأموال في بناء المساجد وشراء المصاحف، ذهب بعض الفقهاء إلى المنع (4)، باعتبار أن هذا مال خبيث، وأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وهذا الكلام يصح لو كان هذا المال خبيثاً لذاته، أو كان باذله يبتغي بصرفه في هذا الباب تقرباً إلى الله تعالى بهذا المال المحرم على وجه القربة، أو كان المال مأخوذاً بغير رضا صاحبه، كالمأخوذ على سبيل الغصب والسرقة ونحوها، فإن هذه الأموال يجب أن تنزه المساجد عنها، لتعلق حق الغير بها، ولكون المحرم لكسبه لا يجوز بذله على وجه التقرب به إلى الله.
فأما إذا قصد التخلص منه تحقيقاً للتوبة النصوح، ووجدت الحاجة إلى بناء مسجد في موضع ما، فإنه لا مانع من ذلك شرعاً، وفاقاً للشافعية وابن رشد من المالكية (5)، فإن
(1) حاشية ابن عابدين (6/ 500).
(2) قال ابن عابدين: ففي أدب الاوصياء عن المحيط عن المنتقى: مات في السفر فباع رفقاؤه تركته وهم في موضع ليس فيه قاض، قال محمد: جاز بيعهم وللمشتري الانتفاع بما اشتراه منهم، ثم إذا جاء الوارث إن شاء أجاز البيع وإن شاء أخذ ما وجده من المتاع وضمن ما لم يجد، كاللقطة إذا جاء صاحبها يأخذها، فإن لم يجد فله أن يضمن الذي أصابها وله أن يجيز التصدق اهـ.
(3) المنثور؛ للزركشي (1/ 309)، شرح القواعد الفقهية؛ للزرقا (181).
(4) ذهب إليه الحنفية كما في رد المحتار (2/ 292)، والمالكية كما في الذخيرة (13/ 320)، وبالمنع صدرت فتيا اللجنة الدائمة برقم (16675) (13/ 354).
(5) البيان والتحصيل (18/ 565)، الذخيرة (13/ 321)، المجموع (9/ 351)، وأما ما ورد في الصحيحين من أن قريشاً لما بنوا الكعبة قصَّرت بهم النفقة الطيبة، فتركوا بعضها وبنوا عليه الحجر، وما روي في السير من تفسيره بأنهم اشترطوا ألا يدخلوا فيه إلا من كسبهم الطيب، فلا يدخلوا فيه مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس، فهذا التفسير ذكره ابن إسحاق في السيرة، كما في سيرة ابن هشام (1/ 194)، انظر: التمهيد؛ لابن عبد البر (10/ 41)، وفتح الباري (3/ 444)، وتوجيهه فيما يظهر لي: أنهم قصدوا منع التقرب إلى الله بهذا المال، فأما بذله بنية التخلص فلم يتعرضوا له أصلاً، فلا يستتب الاحتجاج به على مسألتنا، والعلم عند الله تعالى.