أنها في الوقت نفسه لا تلغيها ولا تمس جوهرها، فهي تقوم على مجموعةٍ من الأسس والمبادئ أهمها:
أولاً: أن الحقوق لا تعتبر إلاّ باعتبار الشارع الحكيم، فهي تنشأ بأحكامه، وتوجد بإرادته، نصاً مباشراً أو استنباطاً من النصوص وفق قواعد الاجتهاد المقررة، فالشريعة هي أساس الحقوق وجوداً، واعتباراً وتنظيماً، وانقضاءً.
يقول الإمام الشاطبي في الموافقات: ( ... لأن ما هو حق للعبد إنما ثبت كونه حقا بإثبات الشرع لا بكونه مستحقاً لذلك بحكم الأصل)، ويقول: ( ... إذ كان لله ألا يجعل للعبد حقاً أصلاً) (43).
ثانياً: الحقوق في النظر الإسلامي مقيد بقيود تضمن مصالح الفرد والجماعة، وهذه القيود تختلف من حق لآخر، وهي في مختلف أنواع الحقوق على نوعين: قيود أصلية ملازمة للحق لا تنفك عنه، وقيود استثنائية طارئة قد تفرض على الحق إذا أوجبت ذلك ظروف خاصة قد يتعرض لها المجتمع، مما يُعرف باستعراض أنواع الحقوق وبيان القيود المقررة عليها أصلاً واستثناء (44).
ثالثاً: وقد حملت الشريعة الأفراد واجبات والتزامات معنوية ومادية تهدف لتحقيق مصالح الجماعة، تجعل للحقوق وظائف اجتماعية تعود على المجتمع بالخير والمصلحة، مثل: تحميل الأفراد واجبات دفع الزكاة والنفقة على الأقرباء الفقراء،
وصدقه الفطر والكفارات .. الخ مما يجعل لحق الملكية في النظر الإسلامي وظيفة اجتماعية، فهو حق فردي مقيد له وظيفة اجتماعية.
وقد أدرك الفقهاء السابقون هذه الطبيعة الخاصة للحقوق في النظر الإسلامي.
يقول أبو زيد الدبوسي ـ المتوفى سنة 430 هـ ـ في تقويم أصول الفقه: (فالله تعالى لما خلق الإنسان لحمل أمانته أكرمه بالعقل والذمة، حتى صار بها أهلاً لوجوب الحقوق له وعليه، فثبت له حق العصمة والحرية، والمالكية (الملكية) بأن حمل حقوقه، وثبتت عليه حقوق الله تعالى التي سماها (أمانة) ... والآدمي لا يخلق إلاّ وله هذا العهد والذمة، ولا يخلق إلاّ وهو أهل لوجوب حقوق الشرع عليه، كما لا يخلق إلاّ وهو حر مالك لحقوقه) (45).
فهذا النص يشعرنا باهتمام فقهائنا ببيان حقوق الإنسان، وأن الإنسان مفطور عليها بإرادة الله جل وعلا، مما يجعل لها حرمة تجعل من الاعتداء عليها والتقليل من شأنها اعتداء صارخاً على شرع الله ودينه .. فالعصمة والحرية والمالكية (الملكية) حقوق أثبتها الله سبحانه للإنسان (46). فهي ليست ناشئة عن طبائع الأشياء، ولا عن اتفاق الناس، ولكنها ناشئة بإرادة الله سبحانه، وجعله السبب منتجاً لمسببه شرعاً .. ، فالاعتداء عليها اعتداء على إرادته سبحانه (47).
عندما أردت بحث بيان طبيعة الملكية في الشريعة الإسلاميّة انتهيت بعد دراسة مستفيضة إلى: أن حق الملكية الخاصة في الشريعة الإسلاميّة حق فردي مقيد كائن بتوظيف واستخلاف