تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والأرض له وحده حق تنظيم ما يملك، والحكم فيه بما يشاء، والتصرف فيه بما يريد، فله سبحانه وحده التشريع للناس بما تقتضيه حكمته، والأمر والحكم في هذا الكون بما يشاء.

وقد شاءت حكمته ـ جل وعلا ـ أن لا يشرع للناس إلاّ ما فيه خيرهم وصلاحهم في الدنيا والآخرة. قال تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ((29)، وقال سبحانه: (وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين ((30)،

وقال تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ((31).

وقد اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يستخلف الناس في الأرض، قال تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ((32)، وأن يسخر لهم ما في السموات وما في الأرض من نعم، قال تعالى: (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ((33)، وقال سبحانه: (ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلاً ما تشكرون ((34).

لقد أوضحت الآيات الكريمة: أن المال الذي بين أيدي الناس هو مال الله سبحانه استخلفهم فيه، ومنحهم إياه، وخولهم الانتفاع به والاستمتاع بطيباته ومظاهر زينته وجماله، فهم ليسوا ملاكاً أصليين له، ولا أصحاب حق طبيعي في تملكه، بل هو هبة وتفضل ونعمة منه سبحانه، ومن هنا جاء قول أبي زيد الدبوسي: (الملك نعمة علقت بأسباب مشروعة) (35).

ومن الآيات الكريمة الواضحة في هذا: قوله تعالى: (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ((36)، وقوله سبحانه: (وأتوهم من مال الله الذي آتاكم ((37). قال القرطبي (38) ـ عند تفسير الآية الأولى ـ: (إنها دليل على أن أصل الملك لله سبحانه،

وإن العبد ليس له فيه إلاّ التصرف الذي يرضي الله، فيثيبه على ذلك الجنة، فمن أنفق منها في حقوق الله وهان عليه الإنفاق منها ـ كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه ـ كان له الثواب الجزيل والأجر العظيم). ثم قال: (وهذا يدل على أنها ليست بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلاّ بمنزلة النواب والوكلاء، فاغتنموا الفرصة فيها بإقامة الحق قبل أن تزال عنكم إلى من بعدكم) (39).

وهذا الاستخلاف الإلهي للإنسان على الأرض ليس استخلافاً دائماً، بل محدوداً بحدود وضعها الله سبحانه وتعالى عندما قدر آجال الناس، وأن الدنيا زائلة لا محالة ... ، كما أن هذا الاستخلاف ليس استخلافاً مطلقاً، بل بينت الشريعة أصوله وقواعده، فلم يترك أمر الناس على هذه الأرض فوضى دون تنظيم، فهو مقيد بقيودٍ شرعها الله سبحانه حددت مداه وكيفيته، ووضحت طريقة الانتفاع والتمتع بما سخره الله سبحانه للإنسان.

نظرية الحق بين الشريعة والقانون · الصفحة ٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

نظرية الحق بين الشريعة والقانونص ٦