تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الثاني: أن حق الله معناه: اللازم له على عباده، واللازم على العباد لابد أن يكون مكتسباً لهم، وكيف يصح أن يتعلق الكسب بأمره وهو كلامه وهو صفته القديمة؟! فلابد أن يكون حق الله فعل الإنسان الذي هو متعلق الحكم، وليس الحكم نفسه؛ لأنه خطاب الله، وهو قديم لا يمكن أن يكون حقاً لله على العباد (20).

ويلاحظ أن الشاطبي في الموافقات قد بين: أن الأحكام الشرعية حقوق لله من جهة وجوب الإيمان بها، وشكر المنعم عليها، وعدم التلاعب بها، وأنها من اختصاص الله وحده (21)، ومقتضى كلام الشاطبي هذا: أنه يجوز إطلاق الحق على حكم الله بمعنى: أن على الناس الإيمان به حقا لله، والإيمان فعل مقدور للإنسان، لا بمعنى الخطاب.

وعلى هذا الفهم يمكن حمل تعريف الحق: بأنه حكم يثبت. وهو المعنى المتبادر

من قوله تعالى: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن ((22).

ثم إن علماء الأصول قد تعرضوا في بحث الاجتهاد لمسألة: هل الحق عند الله تعالى واحد أم متعدد؟ وأرادوا به: حكم الله، ومع ذلك فإن هذه التعاريف لا تبرز ماهية الحق وتظل مبهمة لا تصور معناه بطريقةٍ واضحةٍ بينه.

وقد وجدت أثناء بحثي في موضوع الملكية في الشريعة الإسلاميّة (23) تعريفاً للحق لأحد فقهاء الشافعية الكبار وهو: القاضي حسين بن محمد المروزي، المتوفي سنة (462 هـ) في كتابه (طريقة الخلاف بين الشافعية والحنفية)، وهذا الكتاب ما زال مخطوطاً في دار الكتب المصرية، فقد جاء فيه: (والمعني بالحق: اختصاص مظهر فيما يقصد له شرعاً) (24).

وهذا التعريف له وزنه وقيمته العلمية من عدة نواحٍ:

أ ـ إنه عرف الحق بأنه: اختصاص، وهو تعريف يبرز ماهية الحق؛ لأن الاختصاص جوهر كل حقٍ، فلا وجود له إلاّ بوجوب الاختصاص الذي هو عبارة عن العلاقة التي تقوم بين الشخص والحق، بحيث يكون لهذا الشخص وحده الاستئثار بالسلطات والمكنات والصلاحيات الثابتة شرعاً في هذه العلاقة لصاحبه في محله.

ب ـ إن تعريف الحق بأنه (اختصاص) هو الذي يكاد ينتهي إليه البحث القانوني بعد طول تخبط في معرفة ماهية الحق وقوامه (25).

جـ ـ إن وصف هذا الاختصاص بأنه مظهر فيما يقصد له يبين أن طبيعة هذا الاختصاص تقوم على وجود آثار وثمار ونتائج يختص بها صاحب الحق، دون غيره في الأشياء التي شرع الحق فيها والتي قد تكون مادية أو معنوية كما سنرى.

د ـ إنه تعريف أحد فقهاء القرن الخامس الهجري، مما يدل على أن فقهاء الشريعة القدامى قد قاموا بتعريف الحق تعريفاً صحيحاً.

نظرية الحق بين الشريعة والقانون · الصفحة ٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

نظرية الحق بين الشريعة والقانونص ٤