وللبناء الهيكلي يتم استيعاب التجربة الشعرية بالبحر المناسب، ويتم هذا الاختيار لاشعورياً في أكثر الأحيان وكلما كان الانفعال صادقاً جاء البحر عفوياً وجاءت القوافي مرتاحة متمكنة يتولى ذلك كله تلقائية التجربة الشعرية.
خصائص القوافي:
وللقوافي خصائصها، وهي تفرض نفسها دون تدخل من الشاعر في كثير من المواقف فقد برزت قافية الدال بصفتها مَعلماً من معالم الغزل، وإن كان كثير من القوافي تشترك معها.
أما قافية الياء فقد رأيتها مشتركة بين شعراء الحزن، بدءاً من عبد يغوث بن وقاص الحارثي سيد مذحج في الجاهلية في اليمن، فمن كان يبحث عن المعارضات أو المناقضات، فليبحث عن القصائد الأم في تاريخ الأدب، ومن الملفت للنظر أنني وجدت قصيدة عبد يغوث وهي ذات اللون النفسي الحزين، قد تبعتها قصائد على قافيتها ذات لون حزين أيضاً؛ الأمر الذي دعاني إلى أن أسمي قافية الياء: قافية الشجن.
قال عبد يغوث وقد أسرته تيم:
ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا
فما لكما في اللوم خير ولا ليا
ومنها هذا البيت الذي احتفت به كتب النحو:
وتضحك مني شيخة عبشمية
كأن لم ترى قبلي أسيراً يمانيا
ويختم مرثيته لنفسه بقوله:
فيا راكباً إما عرضت فبلغن
نداماي من نجران ألا تلاقيا
ثم قتل، وانطلقت هذه القافية في أجواء الإحساس الحزين في أدبنا العربي القديم لتسكب في إحساس مجنون ليلى، أو لتكون الكأس التي يصب فيها قيس أحزانه ومواجده قبل أن يجود بنفسه، وقد ظل يرددها إلى أن مات:
تذكرت ليلى والسنين الخواليا
وأيام لا نخشى على الدهر ناهيا