فإذا كان الله تعالى قد تكفل بحفظ الدين بحفظ كتابه وتجديد منهاجه كوناً وقدراً ، كما في قوله تعالى : [ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ](الحجر : 9) ، وقوله عز وجل : [ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ](القيامة : 18-19) فإنه سبحانه جعل التمكين للدين موكولاً لأهله شرعاً وديناً كما قال جل شأنه : [ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ](محمد : 4) ، وقال : [ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ](الحج : 40) ، وعلى هذا الصعيد أخفق المسلمون بعامة ، والإسلاميون منهم خاصة في تحقيق الحد الأدنى من التمكين الذي تترتب عليه إعادة رفعة المسلمين ليكونوا كياناً مهاب الجانب مرهوب القوة نافذ السلطان ، فالإسلام كلمة الله لا بد أن يكون لأهله سلطان مهاب مطاع ، حتى يتمكن الدين من أن يكون متاحاً مباحاً لكل العالمين ، ليقبلوا عليه مختارين ويدخلوا فيه أفواجاً .
ولعل هذا سبب اقتران الفتح بالنصر في قوله تعالى : [ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ](النصر : 1-3) .
إن تجديد الدين وإحياءه علمياً لا يغني عن التمكين له عملياً ، إلا أن ذلك التجديد مقدمة ضرورية تسبق التمكين ، فتسهل مهماته ، وتساهم في إزالة معوقاته ، وقد أخفق الإسلاميون في أن يوظفوا ثمرات التجديد في حمل راية التمكين من جديد ، وحجج الاعتذار هنا لا تساعدهم ، ومنطق التسويغ لا يشفع لهم ؛ لأن فرصاً كثيرة ضاعت مع أن اقتناص فرصتها كان متاحاً لولا الاختلاف والارتجال .
( إخفاقات رغم الإمكانات :