لا المُتَصدَّق عليه، فهي مِنْ مراتب الشجعان الفضلاء، ومن تأمَّل هذا علم شرف الغنى ومخاطرة الفقر (1).
وقال أيضاً: فإنه إذا اقتنى المال المباح، وأدى زكاته، لم يلم، فقد علم ما خلف الزبير، وابن عوف وغيرهما، وبلغت صدقة علي رضي الله عنه أربعين ألفاً، وخلف ابن مسعود: تسعين ألفاً، وكان الليث بن سعد يستغل كل سنة عشرين ألفاً، وكان سفيان، يتجر بمال، وكان ابن مهدي يستغل كل سنة ألفي دينار (2).
فالذي يترفع عن مال الناس ودنياهم، يكون محترماً عزيزاً، قال الشيخ علي القرني: ينبغي أن تكون كأحد علماء الشام وهو الشيخ سعيد الحلبي في يوم من الأيام وكان يلقي دروساً في مسجداً من المساجد، وجاء إبراهيم بن محمد علي باشا والي مصر ودخل المسجد، فقام الناس كلهم له إلا هذا الرجل، فتأثر في نفسه، فهو يريد أن يقوم له، وعندما تأثر من نفسه قال: لآتينه من باب لطالما أتي طلبة العلم من هذا الباب، باب الدُّنيا، ذهب إلى بيته وأعطى أحد جنوده مبلغاً من المال، وقال: اذهب وأعطه فلاناً، وكان المبلغ ألف ليرة ذهبية، فجاء به إليه.
وكان الشيخ في جلسته يلقي الدرس وهو مادٌ رجله، ولم يتغير عن ذلك عندما دخل ذلك الطاغية، فجاء إليه رسول الطاغية وقال: إن إبراهيم باشا يقول: هذه لك -وهي ألف ليرة ذهبية- فتبسَّم، وقال: ردها له وقل له: إنَّ الذي يمدُّ رجلَهُ لا يمدُّ يدَهُ.
وذكر الشيخ محمد المنجد أنَّ أحد العلماء الصالحين ذهب ليشتري حاجة من دكان، فلما جاء إلى الدكان وسام السِّلعة، لم يكن البائع يعرفه، فقام أحد الموجودين بتعريف الشيخ وقال: هذا فلان العالم العامل، فعندما سمع العالم بذلك ولَّى هارباً، فناداه البائع إلى أين يا سيدي؟ فقال: أريد يا أخي أن أشتري بمالي لا بديني.
وأخيراً أنصح كلَّ مَنْ يريد معرفةَ ربِّه، وتزكية نفسه، ومراقبة حاله، وإصلاح سريرته قبل علانيته، أن يقرأ «إحياء علوم الدين» متجاوزاً ما لا يصح فيه من الأحاديث.
وصلَّى اللهُ على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً.
(1) ـ صيد الخاطر: 4.
(2) ـ صيد الخاطر: 9.