تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نعم، لقد حوت التوجيهات القرآنيّة والنبويّة العديد من النصوص الّتي تدعو إلى الزهد بالدنيا ومتاعها وتحذّر من الانغماس في شهواتها والاشتغال بها عن طاعة الله تعالى والقيام بالواجبات الشرعيّة. إلاّ أنّ المسلمين منذ عصر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فهموا هذه التوجيهات على نحو لا يتعارض مع إباحة الأخذ بمتاع الدنيا. فالزهد في الدنيا ومتاعها لا يعني إهمالها وهجرها، ولا يعني بحال من الأحوال التقشّف وقهر الجسد وشهوته. وإنّما يعني أن ينظر الإنسان إليها النظرة الّتي تستحقّها دون أن يجعلها أكبر همّه. فهي في حقيقتها، وكما يصوّرها القرآن الكريم والسنّة النبويّة، معبر الإنسان إلى آخرته، فعليه أن يتزوّد منها ما أمكنه من الأعمال الصالحة حتّى يصل إلى الحياة الحقيقيّة الخالدة، وهي الحياة الآخرة. فالقرآن الكريم حين يذكر متاع الحياة الدنيا لا يذمّه، ولا يعدّه رذيلة، ولا ينعي على الآخذين به، وإنمّا يلفت الأنظار إلى أنّه عَرَض زائل. مثل قوله تعالى: ﴿ المالُ وَالبَنُونَ زِيْنَةُ الحياةِ الدُنْيا والبَاقِياتُ الصَالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ﴾ (1). وقوله تعالى: ﴿ اعلَمُوا أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِيْنَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتكَاثُرٌ في الأَمْوالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيْجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمّ يَكُونُ حُطاماً وَفي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَديدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الحَياةُ الدُنْيا إلاّ مَتاعُ الغُرور ﴾ (2).

(1) - سورة الكهف – الآية (46)

(2) - سورة الحديد – الآية (20)

نشوء الحضارة الاسلامية · الصفحة ٢٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

نشوء الحضارة الاسلاميةص ٢٥٤