ولعلّ هذه المبادرة من "أبي حامد الغزاليّ" كانت أوسع باب دخل منه علم الكلام –ومعه المنطق– إلى أبحاث أصول الفقه، الّتي راحت تتحولّ منذ ذلك الحين، لدى قسم من علماء أصول الفقه، إلى أبحاث نظريّة، لا ثمار لها في واقع الحياة والمجتمع. وجرى كثير من العلماء بعد "الغزاليّ"على منهجه –رغم أنّه نقض آراءه هذه في آخر حياته كما سنرى– وراح بعضهم يفتون بأنّ دراسة المنطق وعلم الكلام فرض كفاية. وبقي الصراع قائماً بين جملة من الفقهاء وأنصار علم الكلام، ولا زال إلى يومنا هذا، ولم يُحسم بعد.
والجدير بالذكر أنّ الدور الّذي لعبه "الغزاليّ" في هذا المجال كان مزدوجاً، بمعنى أنّه لم يقتصر دوره على تكريس علم الكلام في جملة العلوم الشرعيّة المعتبرة، بل أسّس هذا العلم تأسيساً جديداً على المنطق اليونانيّ، الّذي نبذه معظم من سبقه من علماء الكلام أنفسهم. وهاهنا كمنت الخطورة الكبرى في دخول عناصر غريبة إلى ميدان الثقافة الإسلاميّة.