تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من هذا المنطلق، كان من الطبيعيّ أن نرى ذلك التباين بين منهج البحث لدى كلّ من علماء الكلام من جهة والمحدّثين والفقهاء من جهة أخرى. فعلماء الكلام سخّروا مواهبهم العقليّة وبذلوا طاقاتهم في مجال العقيدة، لتثبيتها في مواجهة أعدائها الخارجيّين، من فلاسفة وزنادقة وأهل أديان وبدع. ولم يكن لقضايا التشريع شأن يذكر في أبحاث الكلاميّين. بل إنّ هؤلاء الكلاميّين -بشتّى مذاهبهم- لم ينازعوا الفقهاء في فهمهم لأحكام القرآن والسنّة واستنباطهم للمسائل الفقهيّة. بل لمّا لم يكن لعلم الكلام اهتمام في مجال التشريع ومنهج استنباط الأحكام توزّع أصحاب المذاهب الكلاميّة أتباعاً للمذاهب الفقهيّة المتعدّدة، من أجل استمداد الأحكام المنظِّمة لسلوك الفرد وحياته اليوميّة. من هنا طغى على أبحاث المتكلّمين ومؤلَّفاتهم ومجادلاتهم المنحى الفكريّ. ذلك أنّ علم الكلام »ينظر في ذات الله تعالى وصفاته... وينظر أيضاً في أحوال الأنبياء والأئمّة من بعدهم والصحابة. وينظر في أحوال الموت والحياة وفي أحوال القيامة والبعث والحشر والحساب, ورؤية الله تعالى. وأهل النظر في هذا العلم يتمسّكون أوّلاً بآيات الله تعالى من القرآن, ثمّ بأخبار الرسول- صلى الله عليه وسلم -, ثمّ بالدلائل العقليّة»(1).

وأمّا المحدّثون والفقهاء، فإنّ وظيفتهم كانت تتمحور حول نصوص الوحي ثبوتاً ودلالة. ففي الوقت الّذي بذل فيه المحدّثون جهدهم لحفظ أحاديث الرسول- صلى الله عليه وسلم - والتحقّق من صحّتها، بذل الفقهاء –وعلى رأسهم المجتهدون– غاية جهدهم في فهم معاني القرآن والسنّة واستنباط الأحكام العمليّة منها. وها هنا لا مجال للعقل إلاّ الفهم والبحث عن معاني الألفاظ ودلالاتها.

(1) - أبو حامد الغزاليّ - الرسالة اللدنّيّة (ضمن مجموعة رسائل الإمام الغزاليّ) – دار الكتب العلميّة, بيروت – د.ت - ص 63 - 64

نشوء الحضارة الاسلامية · الصفحة ٢٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

نشوء الحضارة الاسلاميةص ٢٠٥