وهناك نزاع في مدى موافقة "الأشعريّ" لآراء الإمام "أحمد بن حنبل". فبينما صرّح هو نفسه أنّ رأيه هو ما عليه الإمام "أحمد"، أنكر كثير من معاصريه وممّن أتوا بعده ذلك، ولاسيّما الحنابلة ومن أتى بعدهم ممّن عُرفوا بالسلفيّين(1).
وفي كلّ الأحوال، فإنّه مهما وافق "الأشعريّ" الإمام "ابن حنبل" فيما أعلنه من آراء، فإنّه يختلف عنه جذرياً في منهج بحثه وتفكيره وإنشائه لآرائه. وهو أيضاً مهما خالف المعتزلة في الآراء، فإنّه متكلّم مثلهم، بل هو تلميذهم في الكلام. وبالتالي فهو في منهجه العقليّ الّذي يعتمد العقل إلى حدّ كبير في إثبات العقائد والتدليل عليها يخالف منهج الإمام "أحمد" وسائر المحدّثين والفقهاء في التفكير وإنشاء الآراء فهم لا يعطون العقل أكثر من وظيفة فهم النصوص من آيات وأحاديث والوقوف عند مدلولاتها. وكلّ ما في الأمر أنّ "الأشعريّ" حاول أن يخلص بآراء كلاميّة تتوافق مع النصوص الّتي أنكرها المعتزلة أو أوّلوها بتكلّف كبير.
يقول الإمام "أبو زهرة": «وقد سلك الأشعريّ في الاستدلال على العقائد مسلك النقل ومسلك العقل. فهو يثبت ما جاء في القرآن الكريم والحديث الشريف من أوصاف الله تعالى ورسله واليوم الآخر والملائكة والحساب والعقاب والثواب، ويتّجه إلى الأدلّة العقليّة والبراهين المنطقيّة يستدلّ بها على صدق ما جاء في القرآن والسنّة عقلاً، بعد أن وجب التصديق بها كما هي نقلاً. فهو لا يتّخذ من العقل حاكماً على النصوص ليؤوِّلها أو يُمضي ظاهرها، بل يتّخذ العقل خادماً لظواهر النصوص يؤيّدها(…)
(1) - انظر : تاريخ المذاهب الإسلاميّة – ص 187