إن القوة لله وحده.. فهي تُطلَب عنده ولا قوة عند الآخرين..?إن العزة لله جميعاً?(يونس:65).. ألا إنه لسند واحد للنفس البشرية تجد عنده العزة.. فإن ارتكنت إليه استعلت على من دونه، ألا إنها لعبودية واحدة ترتفع بالنفس البشرية وتحررها.. العبودية لله..فإن لم تطمئن إليها النفس استُعبدَت لقيم شتى، وأشخاص شتى، واعتبارات شتى، ومخاوف شتى، ولم يعصمها من العبودية لكل أحد ولكل شيء ولكل اعتبار.. وإنه إما عبودية لله: كلها استعلاء وعزة وانطلاق.. وإما عبودية لعباد الله: كلها استخذاء وذلة وانحلال.. ولمن شاء أن يختار.
وما يستعز المؤمن بغير الله وهو مؤمن، وما يطلب العزة والنصرة والقوة عند أعداء الله وهو يؤمن بالله، وما أحوج ناساً ممن يدَّعون الإسلام ويتسمَّون بأسماء المسلمين وهم يستعينون بأعدى أعداء الله في الأرض.. أن يتدبروا هذا القرآن.. إن كان بهم رغبة في أن يكونوا مسلمين وإلا فإن الله غني عن العالمين"انتهى.
ومن العجيب أن "لا حول ولا قوة إلا بالله" لم تُذكر في القرآن قط بهذا اللفظ، وعندما تلمست الحكمة في ذلك قلت: لعل الله عز وجل لم يأت بهذا اللفظ الجامع لكل أنواع القوة والمقدرة على تغيير الأحوال.. لأنه جل في علاه لعله أراد أن يبين هذا المعنى في كل قضية من قضايا القرآن تفصيلاً.. ليجعلك تهتف من أعماق قلبك عند كل آية قائلاً: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا شك أن هذا أقوى وأعمق في التأثير من مجرد ذكر الجملة بالتصريح، لا سيما أن المعنى من الوضوح بحيث لا يحتاج سياق الكلام في القرآن أن يُجمله في هذه الجملة، لأن المراد من ذكره قد تحقق بالفعل ولكن بأسلوب رباني أعمق وأرسخ في النفوس.
وإذا أخذنا مثالاً لذلك رحلة الإنسان في عالم الوجود.. نجد أن المتتبع لها من بدايتها حتى مستَقَرَّها لا يكاد ينتقل من مشهد إلى آخر حتى يهتف من أعماقه قائلاً: لا حول ولا قوة إلا بالله.