تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفرق أن المصريين كانوا مع عمر أنقى ومع تاريخه أوفى.

افتخر المصريون ببطلهم الجديد،فأنصفوه وحملوه أسلوباً للإدارة، وأنموذجاً للزهد والتسامي، وروحاً للعدالة الإلهية. فيما كبا أهل العراق كبوتهم، فلم يكتب فيه مثقف ينتسب إلى ثقافة التسنن. أو آخر منسوب على التشييع سوى علي الوردي وآخرين خارج المحيط الديني.

إن مؤسس العراق العربي أهملهُ العروبيون، فلم يصدر كتاب مستقل فيه عن مؤرخين "فطاحل"، وأُدباء "فُحول"، أمثال الشيخ محمد بهجت الأثري والدكتور عبد العزيز الدُوري، وأستاذ التاريخ العربي ناجي معروف، كما لم تصدر المؤسسة الدينية ومركزها الأعظمية أو الموصل كتاباً يُعرِّف العراقيين بمؤسس حضارتهم الإسلامية وممّصر بصرتهم وكوفتهم.

بيد أن المصريين أخلصوا الودّ لمؤسس حضارتهم العربية. فكتب العقاد عبقرياته منشورةً في غرف الدرس وعلى أرصفة المدن العربية. وكتب طه حسين "الشيخان" و"الفتنة الكبرى" بجزئيها مُنصفاً مستلهماً روح الإسلام ومنهج البحث العلمي الحديث.

وكتبت بنت الشاطىء والمستشار عبد الحليم الجندي وأبو زُهرة وعبد الرحمن الشرقاوي في الإمام علي وفي تلك الفترة الإسلامية المثيرة، فتشكلت المدرسة المصرية مرجعاً سنوليه الاهتمام في صفحات قادمة.

أمّا العراق فَخُلوٌ من هذا المنهج، وتلك المدرسة، رغم كونه ميدان الصراع الطائفي القديم والحاضر، وإذ يعزو المُطلعون على أسبابه إلى جهل الناس بتاريخهم الإسلامي، فَلم يسأل أحدٌ إلى من تُعزى أسباب هذا الجهل.

إنهم يكتبون من فوق، ناشرين طُعونهم على العامة، وكأنهم يتوقعون أن يولد العراقي وهو يرضع العلم، ويحتسي أكواب الثقافة من مشارب لا يمتلكها أساساً.

إن المجتمع بمؤسساته الدينية والدولة بمؤسساتها الثقافية هي التي تتحمل المسؤولية عن جهل الناس بتاريخهم، ولم تلتفت الحوزات العلمية الشيعية والمدارس الدينية السُنية إلى التعريف بثروة من التراث الإسلامي المقيم في معماريات الأئمة والشيوخ والأولياء، فيراها الناس شاخصة، ولا يعرفون شيئاً عن أسرار المقيمين في ثراها سوى ما يقدمه السدنة من أوراد وإذكار..!.

عمر والتشيع · الصفحة ٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عمر والتشيعص ٨٩