وفي تحليل سياسة التعيينات، استخدم عمر أسلوب البريد في مراقبة الولاة, إذ يكلف رجلاً بالسير في أحياء الولاية، مُنادياً أنّ من له بريد إلى الخليفة فعليه أن يسلمه إليه، وهذا يحمله بدوره إلى عمر مختوماً لا يطلع عليه أمراء الولاية ولا عاملها، فيعرف عمر ماذا يجري في الأمصار يوماً بيوم.
وهذه الطريقة بمصطلحنا الحاضر، تحمل طابعاً إستخبارياً اعتدنا أن نسميه التقرير الحزبي. والرسالة في لغة المسلمين سوى أنّ عمر بن الخطاب جعل الاستخبارات علنيّةً وليست سرّية. حتى لا يكيد الناس لبعضهم ويتحولوا إلى جواسيس ولعل هذا هو الفارق بين الاستخبارات العمرية وبين مفهوم التجسس.
اعتاد عمر أن يقرأ البريد وحده ويجيب على مُرسليه باستحضار الوالي أو بإرسال ممثله الشخصي الذي هو في العادة الصحابي محمد بن مسلمة الأنصاري، والذي كان يتمتع بصلاحيات التحقيق مع العمال واعتقالهم وتجريمهم، ويعتبر قراره نهائياً على الأغلب.
كان عمر يدعم جهاز الولاية بصحابةٍ من الرعيل الأول ومن هم في مدارج الإيمان أعلى درجة من أمير الولاية وبعض قادتها.
بعد أن أخفقت تجربته الأولى بتعيين هؤلاء الصحابة ولاةً، كسلمان الفارسي في المدائن، وبلال في بعض ولايات الشام، اكتشف أن الأعلى في درجة الإيمان والأقدم في الإسلام، قد لا يكون هو الأقدر على إدارة الأزمات وتصريفها في فترة التأسيس الأولى للدولة، والعرب مازالت على لقاحيتها تنفر من الإذعان للسلطة المركزية، فكيف وهي سلطة عمر الصارمة إزاء الاختلالات الاجتماعية؟ مما دعاه إلى اختيار أسلوب إداري آخر يقضي بالتفريق بين درجة الإيمان ودرجة الكفاءة والأهلية، ففضّل من نسميهم اليوم بالتكنوقراط وحين ينفّذ هذه الفكرة فسيكون رجال قريش عمالاً وأمراء وقادة إداريين في المرتبة العليا.