تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن مبدأ القطيعة يغادر التاريخ في لحظات ليكون حاضراً في الخلاف السياسي اليومي وفي خلافات الدول، والأبواب مشرعة أمام الفريق الآخر ليدخل من القطيعة المقيمة في دفاتر الكركي والمجلسي إلى أسواق الكرادة وبيوت الصفيح في مدينة الصدر، تقابلها مليشيا القطيعة في غزوات تذكرنا بغارات حسان بن حسان الذي دخل الأنبار فأزال خيلها عن مسالحها.

استباحة العثمانيين وحصانة الصفويين

أقامت حركة التنوير في مطالع النهضة العربية المعاصرة قواعدها الفكرية على فهم جديد للإسلام مغاير ومناهض للفهم العثماني. وزعماء الحركة فقهاء أهل السنة ومفكروها من كابول بلد جمال الدين الأفغاني ومروراً بالإمام محمد عبده في القاهرة وعبد الرحمن الكواكبي في حلب حتى احمد بن أبي الضياف وخير الدين التونسي في المغرب العربي.

وفي قلب الجزيرة العربية وجهّت حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب نقداً للسياسات العثمانية القائمة على احتضان التصوف المشوه والدروشة التي أنكرها الإسلام على المسلمين. ولم يتهم أهل السنة هؤلاء الفقهاء والشيوخ بالمروق والارتداد على الإسلام.

وفي المقابل لم تتعرض سياسة الدولة الصفوية إلى نقد مماثل صادر عن المؤسسة الشيعية إلاّ في نطاق ضيق تصدر فيه الفقيه إبراهيم القطيفي تياراً لمعارضة شرعية السلطنة، لكن الشاه الصفوي سبقه باستجلاب (120) فقيهاً كبيراً من لبنان والقطيف والعراق والبحرين. وفضل فقهاء آخرون العزلة في معتكف الدرس والعرفان، لعلنا نتحدث أيضاً عن موقف المفكرين والأدباء الشيعة إزاء الملك القهري الصفوي وتراجع واضح في مقدامية الشعراء العراقيين.

ففي الجانب السني يتصدى معروف الرصافي بجرأته المعهودة محرضاً العرب على الدولة العثمانية

عجبت لقوم يخضعون لدولة …يسوسهم في الموبقات عميدها

وأعجب من ذا أنهم يرهبونها……وأموالهم منهم ومنهم جنودها

في وقت تمتعت الدولة الصفوية بحصانة من النقد والتعريض، وفرتها جهود مشتركة للسلطة والمؤسسة الدينية خلال أكثر من مئتين وعشرين عاماً. بينما تعرضت خليفتها الدولة القاجارية إلى حملة نقدية لعلماء التشيع شبيهة بحملة علماء السنة على الدولة العثمانية.

وحتى هذه اللحظة يمكن لكتابة مناهضة للشاه القاجاري المرور في أروقة الحوزة العلمية دون أن تترك الأثر الذي ستتركه محاولة مماثلة تمس الدولة الصفوية.

عمر والتشيع · الصفحة ١٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عمر والتشيعص ١٢١