حكومته الفرنسية وبعض أصحاب رؤوس الأموال بمشروعه الطموح الذي جعل مياه البحر الأبيض تلتقي وتمتزج بمياه البحر الأحمر.
فقد تم إنجاز هذا المشروع العملاق بعد ما يقارب العشرين عاماً من التمهيد والتخطيط والعمل الشاق. وعندما أعلن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تأميم القنال في خطابه التاريخي في اليوم السادس والعشرين من شهر يوليو (تموز) 1956 بدوافع سياسية لا مجال لذكرها الآن توجهت مجموعات من الناس الذين غمرهم الحماس بعد سماع الخطاب إلى مكان التمثال ونسفوه باعتبار أنه أحد رموز الاستعمار وكان الأولى بهذا التمثال أن يبقى كشاهد على مرحلة هامة من تاريخ مصر. وقد شاهدت أثناء إقامتي في الهند تماثيل ترمز للاستعمار البريطاني الذي استمر قرابة المائة والخمسين عاماً والذي تمثلت فيه كل مفاهيم وأساليب الاستعمار. ولكن عندما تحررت الهند أبقت على تلك التماثيل في الشوارع والمتاحف وأقامت بجانبها تماثيل لأحرار الهند وزعمائها أمثال غاندي ونهرو وغيرهم. وهذه عبرة من عبر التاريخ.
السفر إلى فلسطين
كان طريق العودة يمر عبر فلسطين وسوريا والعراق فقد سافرت بقطار المساء من بور سعيد عبر القنال إلى القنطرة وقد لفت نظري في القنطرة وجود مكاتب للجوازات والجمارك وكأن المسافر قد انتقل من بلد إلى آخر وكأن شبه جزيرة سيناء ليست جزءاً من الأراضي المصرية. وظل القطار يواصل سيره عبر سيناء طوال الليل حتى وصلنا إلى مفرق اللد عند الفجر حيث في مدينة اللد تتفرع سكة الحديد إلى فرعين فرع يتجه إلى القدس والفرع الآخر يتجه إلى ميناء حيفا وكانت وجهة سفري إلى ميناء حيفا، حيث من هناك ركبت في إحدى سيارات التاكسي المتوجهة إلى دمشق. وهذه أول مرة تطأ فيها قدمي أرض فلسطين العزيزة ولم أشاهد من معالمها شيئاً بينما كنت تواقاً إلى ذلك ولكن ظروفي في تلك الأيام لم تكن مواتية، لكن هذه الرغبة تحققت في عام 1944 حيث أقمت فيها قرابة ثمانية عشر يوماً.
تحركت بنا السيارة من حيفا متجهة شمالاً نحو الحدود السورية بالطريق الموازي لساحل البحر ثم اتجهت يميناً نحو سهول بحيرة الحولة الخضراء. ثم صعوداً إلى المرتفعات السورية. وكان الجو في ذلك اليوم رطباً حاراً ولكننا عندما بدأنا بالصعود والاتجاه نحو مدينة القنيطرة تبدل الطقس بصورة مفاجئة وبدأت النسائم الباردة تهب علينا من تلك المرتفعات ومن سفوح جبل الشيخ. وتوقفت السيارة عند مقهى صغير تحت شجرة ضخمة وارفة الظل من أشجار الجوز وكنت في غاية التعب والإرهاق بسبب مواصلة السفر من القطار إلى السيارة حيث لم أذق طعم النوم تلك الليلة. ولكن تلك النسائم العليلة أنعشتني. وكانت فترة راحة تناولنا فيها طعاماً بسيطاً في ذلك المقهى الريفي الجميل، ثم تركنا القنيطرة انحداراً إلى سهول مدينة دمشق فوصلناها عند العصر.
ونزلت في أحد الفنادق وهناك سألت عن مكتب شركة نيرن NAIRN للسفريات وهي شركة إنجليزية. وقد سمعت أنها تملك سيارات ضخمة مكيفة من طراز (البولمان) (انظر الصورة) وقررت