أمامه رجولته! ... وكم كان يعجبه أن يبدو كوالده رجلاً! ... هو رجل بسن الخامسة! ... غترته الطويلة تصل أجزاؤها إلى الكعبين فيما يشبه الثوب, ومحاولات للتسلل إلى (الدكان) حيث الرجال, والحلوى, والحب. ... حلم بدأ بأمه, ثم أبيه, وينمو, ينمو حلمه, ويكبر, ويكبر معه تماماً , كما تلقي بحجر في بحيرة, فتلاحظ الدوائر تحيط بمكان سقوطه, صغيرة, ثم تكبر تباعاً, وربما تحور الحلم, أو تبلور, أو تغير حسب مراحل حياته. ... جدران بيتهم الصغير لم تعد حدوداً لذاك الحلم فقط! ... نما وخرج إلى الشارع ... فالرفاق ... فالحارة ... ثم المدرسة ... فالمركز ... اتسع وتشعب, كشعاع الشمس. ... عندما قطع جزءاً من مرحلته الابتدائية؛ كان حلمه أن يصبح أحد إخوته طبيباً, ولكن ليس هو, فهو يكره رؤية الدم!! ... ولماذا طبيب؟! ... لأن والدته كانت تعاني من (القيلون) ـ حسب تعبيرها! ـ الذي يرهقها؛ فيعز عليه ألمها. ... مَن حوله يثني على لغته, وحفظه, ولكن الأفكار كانت عاجزة عن فهم ما هية قدراته. ... إيحاء الفكرة اخترق حلمه؛ فشعر بالتميز, وانطلق نحو الأفق؛ فذاك الإحساس المشع لا يجب أن يُهمل, وهو دافع لإلهاب المخيال اليافع تجاه المستقبل الذي تخبؤه الأيام الحبلى. ... أخذ ينهل من العلم؛ فقد أوتي نهماً للقراءة!! ... بدأ يظهر, ويكبر ... والأب خير معين ... إذا لم يقف في طريق خطواته, ولم يحاول تحجيم أحلامه إطلاقاً , ما دام يسير في الطريق الصحيح, لم يكن والده متعلماً بما يكفي, لكن حكمة الأيام والتجارب كانت مدرسة طالما نهل منها وعانى مرارتها, ولا زال يذكره وهو يتلو القرآن من مصحفه الكبير بتحزين وتخشع. ... بدأ عقله يسابق جسده في النمو؛ لدرجة أنه أغفل أو اغتال لهو الطفولة البريء, إلى جد الرجولة الجريء!! ... قرأ, وعرف, واتسعت ثقافته!
حياة العودة · الصفحة ٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
حياة العودةص ٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي