تأمل في موقفه صلى الله عليه وسلم من كعب ابن مالك وصحبه يوم تخلفوا عن غزوة تبوك ، موقفه مع نفر من صحابته الذين بايعوه الدم الدم والهدم الهدم ..
الذين فدوه بأموالهم وذراريهم وانفسهم ..
أصحابه الذين هم خير خلق الله بعد الأنبياء . .
نجد كيف تجسّد فيه موقف المربي الحريص الحاني على صحبه ومدعويه حتى وإن بدر منهم ما يُذم ويعاب .
لقد كان هجر رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام للذين خلفوا هجراً جميلا لا أذية فيه ولا تشفي ، إنما هجر العتاب الذي يزيد المحبة ويحرص على بقاءها ..
ترى لوكان في هذا الهجر تشفياً أو انتقاماً ما تُرى كان يفعل كعب حين وصله كتاب ملك الغساسنة ؟ !
إن لحظة التوبة والعفو لتجسّد سمو هذا الهجر الجميل ، وشفافية هذا الأدب النبوي في لعلاج .
تأمل فرحة الصحابة الكرام واستبشار رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك بنزول التوبة عليهم . حتى إن أحد الصحابة لم يتمالك من شدة الفرح إلا أن قام من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقبل كعباً ويعتنقه !
يا عجبي . . !!
هل تُراه هجراً أم تُراه وصلاً !!
وفي مقابل هذا الهجر الجميل لهؤلاء الثلاثة نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن هذا تصرّفه مع المنافقين الذين اعتذروا له عن تخلفهم ..!
مما يدلنا على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن ليهجر الناس جزافاً ، بل كان عن حكمة ومصلحة . فليت شعري ماذا كسب المعتذرون من بقاء الوصل ..
وكم حاز السبق من ألظّه ألم الهجر ..؟!
الهجر الجميل . . .
هجر يورّث العمل والحرص عليه .
هجر يحمي نفس الداعية من الانخراط في براثن المنكر والفحشاء ..
فهو يرى المنكر ولا يعايشه ولا هو بمعرض عنه إعراضاً بلا توجيه ... بل هجرا جميلا يحمي النفس من الضعف ويُعلي الهمّة للإنكار ، والعمل .