ولدت عائشة بنت محمّد علي عبدالرحمن المعروفة "ببنت الشاطئ" عام 1913 م بمحافظة دمياط بدلتا مصر ونشأت في بيت أدب يحب العلم والدين فحفظت القرآن الكريم في طفولتها قبل أن تبلغ سن السادسة ثم حفظت ألفية بن مالك في النحو وبعض القصائد الصوفية. واجهت عائشة عواقب العادات الضارة التي ترفض أن تواصل البنت تعليمها وقاد والدها العالم الأزهري معارضة شديدة لمنعها من إكمال الدراسة وكادت محاولاته المستمرة أن تنجح لولا إصرار عائشة على مواصلة التحصيل. وعندما توجهت عائشة لعالم الصحافة كانت العادات الضارة عائقاً كبيرا وسداً منيعاً لأن التقاليد لم تكن تسمح للبنت أن تكشف عن اسمها بصورة علنية ولهذا اتخذت عائشة اسم "بنت الشاطئ" ستاراً لها لتدخل الصحافة.
حصلت عائشة على شهادة الكفاءة للمعلمات عام 1929 م وكانت الأولى على مستوى الدولة، ثم حصلت على الليسانس في اللغة العربية عام 1939 م، وواصلت دراستها العليا فحصلت على شهادة الدكتوراه عام 1950 م وكان طه حسين - عميد الأدب العربي - من ضمن أعضاء لجنة المناقشة. ولقد مارست عائشة التدريس والتأليف وسافرت للعمل في العديد من الجامعات الإسلامية. وكان أن حصدت عدة جوائز رفعية وأوسمة عالية فحصلت على جائزة الملك فيصل العالمية في خدمة الإسلام، وجائزة الدولة التقديرية من مصر، وجائزة التقدُّم العلمي من الكويت، كما حصلت على وسام رفيع من المغرب. واجهت عائشة معارضة شديدة كادت أن تمنعها من الوصول إلى قمم المجد ولكن حبها للعلم دفعها إلى فهم صحيح للدين فأوجد عندها الإصرار على مواصلة التحصيل الدراسي، وكسب الخبرات، والتغلب على الصعوبات. نظرات ثاقبة
إذا تتبعنا المنحى العلمي لعائشة فإننا نجدها تتمتع بروح الباحث الدؤوب، وهمة المحقق الأمين، ونشاط الكاتب المنهجي، وإنتاج المفكر الأصيل الذي لا يهجر محاسن التراث ولا يتنكر لقواعد الأخلاق. لقد تعمقت عائشة في دراسة الثقافة الإسلامية لأنها مبعث رقي العقل ولهذا لم تتورط هذه المفكرة في نقد ثوابت الدين كما فعل أنصار تحرير المرأة من العلمانيين. وجدت عائشة ضالتها في الإسلام الذي يسع كل أمر حسن فسارعت للدعوة إليه وهي فخورة به، وفقيه فيه، لأن الإسلام سبيل سعادة المرأة والرجل على حد سواء. لقد نالت عائشة تقدير العلماء والمؤسسات الفكرية في العالم الإسلامي لأنها تمسكت بأهداب الإصلاح في إطار سياق النسيج الشرقي ولم تستورد شروط النهضة ونماذج التغيير والتربية من بيئة غريبة ومصادر مريبة.
ترى عائشة أن الله سبحانه اختص الإنسان بالعلم ليحمل الأمانة التي تتضمن القيام بالمسئوليات وتحمل تبعات التكليف. لا تتفق عائشة مع القصص الذائعة التي تسللت إلى كتب التفسير والتي تقول أن حواء كانت سبب خروج آدم من الجنة. من الواضح أن عائشة شنت هجوماً واسعاً على الذين يرون المرأة بمنظور واحد ينحصر في وصف النساء بأنهن مادة للشهوة والمعصية والإغراء. ذكر المفسرون مثل الطبري والألوسي (العقاد، 1997 م، ص 18، 19) قصصاً تسربت من بنى إسرائيل تنص على أن حواء سبب إغراء وغواية آدم ولكن عائشة رفضت قبول ذلك وفندت هذه المزاعم التي لا تتناغم مع ركائز القرآن الكريم.
تعلقت بنت الشاطئ بالقرآن الكريم الذي كرم المرأة فطالبها بمشاركة الرجل في تعمير الحياة وإدارة الأمور بإرادة قوية كما حذرت في ذات الوقت من مدسوسات الإسرائيليات وأباطيل الأساطير التي شابت تراثنا الفكري وتركت أثرها في ممارساتنا لا سيما في قضايا المرأة. كما تقوم فلسفة عائشة التربوية على الترفق في تربية النساء إذ لا يمكن توجيههن وإرشادهن بالشدة. لقد حذرت عائشة من أخذ النساء بالشدة لأنه منهج يخالف فطرة الإنسان كما أن الغلظة آفة وقع فيها من يفهم النصوص الدينية بحرفيتها.