- مصر في عصر الولاة (من الفتح العربي إلى قيام الدولة الطولونية): د. سيدة إسماعيل كاشف - مكتبة النهضة المصرية - القاهرة: [د. ت].
محمود خان الأول .. وعودة هيبة الدولة العثمانية
(في ذكرى ميلاده: 4 من المحرم 1108 هـ)
أحمد تمام
محمود خان الأول ادخر جهده للنمسا وروسيا
لم تعد الدولة العثمانية في القرن الثاني عشر الهجري كما كانت من قبلُ: الدولة الأولى في العالم والقوة العظمى التي تؤثّر في مجريات الأحداث العالمية، وتوجه سياسة العالم وتاريخه، وإنما أصبح همها الحفاظ بقدر الطاقة على ما تملكه.
في مثل هذه الأجواء ولد محمود خان الأول في (الرابع من المحرم 1108 هـ= 3 من أغسطس 1696 م) وتولى الخلافة في (15 ربيع الأول 1143 هـ= 28 سبتمبر 1730 هـ) خلفًا لعمه السلطان أحمد الثالث، الذي تم عزله بعد ثورة قامت بها فرقة الانكشارية ضده، اعتراضًا على سياسته السلمية مع الدولة الصفوية (إيران حاليًا).
في مواجهة طمعين
وبعد أن استتب الأمن الداخلي في ا لدولة، حاولت روسيا أن تقيم وجودًا عسكريًا لها على الساحل الشمالي للبحر الأسود، تمهيدًا لبسط سيطرتها العسكرية على منطقة المضايق، وتمكين سفنها الحربية والتجارية من عبور مضيق البوسفور والدردنيل وقت السلم والحرب دون أي قيد أو شرط، فأغار الروس على بلاد القرم، واحتلوا "آزاق" بعد حصار دام 34 يوما، وغيرها من الثغور البحرية.
وفي الوقت الذي قامت به روسيا بهذا الهجوم، كانت النمسا قد أغارت على بلاد البوسنة والصرب والأفلاق (رومانيا) باتفاق مع روسيا، ومن ثم لم يكن أمام السلطان سوى أن يعقد صلحًا مع الدولة الصفوية؛ لتأمين جبهة الشرق، وتفرغ تمامًا لمحاربة الإمبراطوريتين: الروسية والنمساوية.
وفي ذلك الحين تقلد منصب الصارة العظمي (رئاسة الوزارة) قائد ماهر وسياسي محنك هو الحاج محمد باشا .. جهز لمحاربة الدولتين، وأعد رجاله للجهاد؛ فتمكن من إيقاف الزحف الروسي الذي كان قد احتل إقليم الأفلاق (رومانيا) الذي كان تابعًا للدولة العثمانية، ومن ناحية أخرى انتصر العثمانيون على النمسا وطردوها من البلاد التي احتلتها إلى ما وراء نهر الدانوب سنة (1152 هـ= 1737 م) وحاصروها في بلجراد، ولم يجد النمساويون مفرًا من طلب الصلح، وتلاهم الروس بعد ذلك؛ فعقدت الدولة العثمانية معهما صلحًا في (14 من جماد الآخرة 1152 هـ= 18 من سبتمبر 1739 م) عرف بمعاهدة بلجراد.
أحمد خان الثالث أطاحت به الإنكشارية
في هذه المعاهدة تقرر عدم السماح لروسيا ببناء أو إبقاء أساطيل لها أو سفن أخرى في البحر الأسود، وأن يمارس الرعايا الروس نشاطهم التجاري في البحر الأسود على سفن تركية، وقد أدى هذا الوضع إلى جعل البحر الأسود بحيرة عثمانية.
وقضت المعاهدة بأن تتسلم الدولة العثمانية مدينة بلجراد التي دام احتلال النمساويين لها 22 عامًا، وأن تستعيد بلاد الصرب والأفلاق من النمسا.
وقد أعادت هذه المعاهدة هيبة الدولة في العالم الأوروبي، ومحت ما لحق بالدولة العثمانية من عار بسبب معاهدة كارلوفتش سنة (1110 هـ = 1699 م) التي ألزمت الدولة برد بلجراد وترتسلفانيا إلى النمسا، والتنازل عن مدينة آزاق لروسيا؛ فصار لها منفذ على البحر الأسود، وبدأت تهدد الدولة العثمانية.
يذكر للسلطان محمود أنه كان عاقلاً حازمًا ذا ثقافة عالية، شاعرًا، مغرمًا بالموسيقى التركية، محبًا للعلم وإنشاء المكتبات، وتوفي فجأة وهو يمتطي جواده عند عودته من أداء صلاة الجمعة في يوم الجمعة (27 من صفر 1168 هـ= 13 من ديسمبر 1754 م).
الإمام مسلم وصحيحه .. رحلة مع الخلود
(في ذكرى وفاته: 25 من رجب 261 هـ)
أحمد تمام
بدأ تدوين الحديث النبوي رسميًا في خلافة عمر بن عبد العزيز بإشارة منه، فقد كتب إلى الأمصار يأمر العلماء بجمع الحديث وتدوينه، وكان فيما كتبه لأهل المدينة: انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاكتبوه، فإني خفت دروس العلم وذهاب أهله، ومنذ ذلك الوقت بدأ العلماء في همة عالية وصبر جميل يجمعون أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- ويدونونها في كتب، ولم تكن المهمة يسيرة أو المسئولية سهلة، وتكاد تفوق في عظمها وجسامة المسئولية جمع القرآن الذي تم في عهد الصديق أبي بكر، فالقرآن محفوظ في صدور الصحابة على الترتيب الموجود بين أيدينا، ويصعب أن يختلط بغيره، أما السنة فأئمتها متفرقون في البلاد، ولا يعلم عدد أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- وأدخل الكذابون والوضاعون في الحديث ما ليس من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان هذا مكمن الصعوبة ويحتاج إلى مناهج غاية في الدقة والصرامة لتبين الحديث الصحيح من غيره، وهذا ما قام به جهابذة الحديث وأئمة العلم العظام.