إصلاحات أخرى
جامع نصرت بناه السلطان محمود الثاني
حاول السلطان إصلاح أجهزة الدولة المركزية، فوضع الأوقاف تحت إشرافه وألغى الإقطاعات الصغيرة وضمها إلى أملاك السلطان، وأجرى أول إحصاء للأراضي الزراعية التركية في العصر الحديث، وأدخل تحسينات على شبكة المواصلات، وأنشأ طرقا جديدة وأدخل البرق، وخطوط السكك الحديدية، كما أنشأ جريدة رسمية للدولة.
وشهد عصر السلطان محمود نشاطا في حركة التعمير، وصيانة المرافق القديمة التي أصابها الإهمال، فأنشأ في سنة (1241 هـ = 1825 م) "جامع نصرت" أي جامع النصر في إستانبول، وأعاد تعمير مسجد "آيا صوفيا" وغيره من مساجد العاصمة. ودعا إلى بناء المنازل من الحجر بدلا من الخشب، وكانت العاصمة كثيرا ما تتهدد بالحرائق التي تنشب في البيوت الخشبية، وأقام برج الحريق من الرخام، وكان مرتفع البناء لاكتشاف الحرائق ورفع راية وإضاءة مصباح عند رؤية الحريق مباشرة.
وأوجد السلطان محمود نظام "الحجر الصحي" للوقاية من انتشار الأوبئة، وعُنِي بالإكثار من المستشفيات والصيدليات ومكاتب التحصين، وصار الأخذ بالإجراءات الصحية الأوروبية هو القاعدة، وكان السلطان حريصا على إيجاد وعي صحي بين الناس.
وفاة السلطان
امتاز السلطان محمود الثاني بالشخصية القوية والهمة العالية، والعزيمة الصادقة، حاول جاهدا أن يعيد للدولة مكانتها، لكن الأحداث الدولية لم تساعده، وأنهكته الحروب مع روسيا، وشغلته حروبه مع محمد علي والي مصر الطموح الذي تطلع إلى ضم أجزاء كبيرة من الدولة، ووقعت الجزائر تحت الاحتلال الفرنسي في سنة (1245 هـ = 1830 م).
تعرض السلطان للإصابة بعدوى السل، ولما اشتد به المرض نُقل إلى إحدى ضواحي إستانبول للاستشفاء بهوائها النقي، ثم لم يلبث أن عاجلته المنية في (19 من ربيع الآخر 1255 هـ = 2 من يوليو 1839 م) وخلفه السلطان عبد المجيد.
من مصادر الدراسة:
- محمد عبد اللطيف البحراوي: حركة الإصلاح العثماني- دار التراث- القاهرة 1398 هـ=1978 م.
- محمد زيد بك: تاريخ الدولة العلية العثمانية- دار النفائس- بيروت 1403 هـ=1983 م.
- علي حسون: تاريخ الدولة العثمانية- المكتب الإسلامي- بيروت 1415 هـ=1994 م.
- محمد حرب: الدولة العثمانية- سفير للطباعة والنشر- القاهرة 1996 م.
جمال عبد الناصر .. طريق الآمال والآلام
(في ذكرى مولده: 2 ربيع الآخر 1336 هـ)
سمير حلبي
عبد الناصر .. غائب حاضر
لم تحظَ شخصية وطنية أو قيادة شعبية في تاريخ مصر الحديثة بقدر من الجدل والاهتمام مثلما حظيت شخصية جمال عبد الناصر.
فالبرغم مما أُشيع حول ديكتاتورية عبد الناصر وبطشه بمعارضيه، فإنه ظل يحظى بجماهيرية غير مسبوقة وشعبية جارفة حتى بين الجيل الذي لم يعاصره، ونُسبت إليه بطولات وأمجاد، ونُسجت حوله روايات تصل إلى حد الأساطير؛ حتى صار وكأنه أحد أبطال التراث الشعبي، لا في وجدان المصريين فحسب؛ وإنما في وعي ووجدان الأمة العربية على امتداد أقطارها من الخليج إلى المحيط.
وبالرغم من مُضي نحو نصف قرن على قيام الثورة، وأكثر من ثلاثين عاما على رحيله، فإنه يظل دائما الغائب الحاضر بكل إيجابياته وسلبياته.
ميلاد "ناصر" ونشأته
وُلد "جمال عبد الناصر" بالإسكندرية قبيل أحداث ثورة 1335 هـ = 1919 م، التي هزّت مصر، وحركت وجدان المصريين، وألهبت مشاعر الثورة والوطنية في قلوبهم، وبعثت روح المقاومة ضد المستعمرين.
وكان أبوه "عبد الناصر حسين خليل سلطان" قد انتقل من قريته "بني مر" بمحافظة أسيوط؛ ليعمل وكيلا لمكتب بريد باكوس بالإسكندرية، وقد تزوج من السيدة "فهيمة" ابنة "محمد حماد" تاجر الفحم المعروف في الإسكندرية.
وفي منزل والده- رقم 12 شاعر الدكتور قنواتي- بحي باكوس وُلد في (2 من ربيع الآخر 1336 هـ = 16 من يناير 1918 م).