تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد فكر الرجل أن يخوض بنفسه معارك فدائية؛ دفاعا عن أرضه ودينه، إلا أن رفاقه منعوه ونصحوه بالتفاوض، فقرر أن يحصل لبلاده ونفسه على أفضل الشروط، وألا يكون استسلامه ركوعا أو ذلا، ورأى تسليم نفسه للفرنسيين على أنه أسير حرب، واقتحم بجواده الخطوط الفرنسية في مشهد رائع قلّ نظيره في (12 ذي القعدة 1344 هـ = 25 مايو 1926 م) واستمر القتال بعد فترة. أما هو فنفته فرنسا إلى جزيرة ريونيون النائية في المحيط الهادي على بعد 13 ألف كيلو متر من موطنه الذي شهد مولده وجهاده.

وطال ليل الأسر والنفي بالخطابي وأسرته وبعض أتباعه نيفا وعشرين سنة، قضاها في الصلاة وقراءة القرآن الكريم في تلك الجزيرة الصخرية، عانى فيها قلة المال، فآثر أن يعمل بيديه لتأمين معيشته هو وأسرته، فاشترى مزرعة، وجاهد فيها كسبا للعيش، ولم تفلح محاولاته بأن يرحل إلى أية دولة عربية أو إسلامية؛ لأن فرنسا كانت تعلم أن الرجل يحمل شعلة الحرية في قلبه وهي لم تنطفئ، كما أن كلماته عن تقرير المصير هي عبارات محشوة بالديناميت تفجر الثورات وقبلها نفوس الأحرار.

وفي عام (1367 هـ = 1947 م) قررت فرنسا نقل الخطابي وأسرته إليها لتضغط به على الملك محمد الخامس لمطالبته الدائمة بالاستقلال، غير أنها استجارت من الرمضاء بالنار، فعندما وصلت الباخرة التي تقله إلى ميناء بورسعيد، التجأ إلى السلطات المصرية، فرحبت القاهرة ببقاء هذا الزعيم الكبير في أراضيها، واستمر بها حتى وفاته في (1382 هـ = 1963 م).

أهم المصادر والمراجع:

- علال الفاسي: الحركات الاستقلالية في المغرب العربي - مطبعة الرسالة - القاهرة - الطبعة الأولى - 1368 هـ = 1948 م.

- صلاح العقاد: المغرب العربي - مكتبة الأنجلو المصرية - القاهرة - الطبعة السادسة 1993.

- قدري قلعجي: ثمانية أبطال من العرب - شركة المطبوعات للتوزيع والنشر - لبنان - الطبعة الأولى - 1995 م.

الفقيه الظاهري .. ومذهب لم يعش

(في ذكرى وفاته: 9 من رمضان 297 هـ)

أحمد تمام

شاء الله تعالى أن يكون للمذاهب الأربعة تلاميذ نابهون قاموا على فقه أئمتهم بالدرس والتأليف، فنشروا مذاهب شيوخهم حتى استقرت في أقطار العالم الإسلامي، وكان قد ظهر إلى جانب تلك المذاهب المعروفة مذاهب أخرى، لم يقدر لها الدوام ومواصلة الحياة، ولو قدر لبعضها من التلاميذ والأنصار لبقيت واستمرت، لكنها تعثرت في الطريق، ولم تجد المرشد والمعين؛ فتوقفت عن العطاء وخمدت تمامًا، ومن تلك المذاهب، مذهب الأوزاعي عبد الرحمن بن محمد المتوفى سنة (157 هـ = 774 م) وكان أهل الشام على مذهبه، ثم انتقل المذهب إلى الأندلس فانتشر هناك فترة، ثم ضعف أمره في الشام أمام مذهب الشافعي، وفي الأندلس أمام مذهب مالك الذي وجد أنصارًا وتلاميذ في الأندلس.

ومن تلك المذاهب: مذهب سفيان الثوري المتوفى سنة (161 هـ = 478 م) وهو من الأئمة المجتهدين، لكن مذهبه لم يجد أنصارًا فلفظ أنفاسه مبكرًا، ولم يستطع الصمود والاستمرار، وكذلك مذهب الليث بن سعد المتوفى سنة (175 هـ = 791 م) وكان فقيه عصره وإمامه البارز، لكنه لم يجد من يحمل مذهبه حتى يعم وينتشر، وقد أشار الإمام الشافعي إلى هذه الحقيقة بقوله: الليث بن سعد أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به.

ومن أصحاب المذاهب في هذه الفترة أبو سليمان داود الظاهري المتوفى سنة (270 هـ = 884 م) وهو شيخ أهل الظاهر، وواضع أساس هذا المذهب الذي انتصر له من بعد وأعلى بنيانه ابن حزم الأندلسي المتوفى سنة (456 هـ = 1064 م).

المولد والنشأة

ولد داود بن علي سنة (200 هـ = 816 م) وقيل سنة (202 هـ = 818 م) بالكوفة، وتلقى تعليمه ببغداد التي كانت تموج حركة ونشاطًا بحلقات العلم، وتمتلئ مساجدها بدروس الفقهاء والمحدثين واللغويين، فتلقى الحديث على يد سليمان بن حرب، والقعنبي، وعمرو بن مرزوق، ومسدد بن مسرهد، ورحل إلى نيسابور وسمع من محدثيها الكبار وعلى رأسهم "إسحاق بن راهوية"، ودرس الفقه على أبي ثور الفقيه الشافعي المعروف وغيره من فقهاء الشافعية.

بعض المعاصرين · الصفحة ٢٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بعض المعاصرينص ٢٩٢