نشاطه الفكري
وعلى الرغم من تقدمه في السن؛ فقد ظل مؤثرًا في الحياة الفكرية، فتولى رئاسة مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة (1366 هـ=1945 م) وظل يشغله حتى وفاته، وكان عضوًا في كثير من المجامع العلمية، مثل المجمع العلمي العراقي، والمجمع العلمي المصري، والجمعية الجغرافية المصرية، كما كرمته الدولة؛ فنال جائزتها التقديرية في العلوم الاجتماعية سنة (1378 هـ= 1958 م).
ولم يترك لطفي السيد مؤلفات على كثرة ما كتبه في "الجريدة" لسان دعوته إلى حرية الفكر وحرية الإنسان وحرية الوطن، وكانت مدرسته التي وجه منها الرأي العام إلى قضايا الاستقلال والدستور، وسلطة الأمة، والحياة النيابية السليمة، والتعليم الجامعي، ولم يتهيأ لنا مما كتب سوى ثلاثة مؤلفات جمعها له إسماعيل مظهر، هي: "المنتخبات" في جزأين، و"تأملات"، و"صفحات مطوية من تاريخ الحركة الاستقلالية" بالإضافة إلى مذكراته التي بعنوان "قصة حياتي".
وترجم لطفي السيد عن الفرنسية كتب أرسطو: الأخلاق، الكون والفساد، الطبيعة السياسية. وأسلوبه يتميز بالدقة والسلاسة والوضوح دون التواء في المعني أو ملابسة في الفكرة، أو تداخل في التعبير.
وفاته
وقد طالت الحياة بأحمد لطفي السيد حتى تجاوز التسعين، وظل موفور النشاط متوقد الذهن حتى لقي ربه في (سنة 1383 هـ= 1963 م) بعد أن وقف نفسه على الإصلاح والتجديد ستين عامًا أو يزيد، وهي مدة لم تتوفر لمصلحين كثيرين، ودخل التاريخ من باب التأثير على مسيرة أجيال زاملته بأفكاره الإصلاحية، وإن كان بعضها محل نظر وتحفظ ومراجعة.
* من مصادر الدراسة:
· حسين فوزي النجار: أحمد لطفي السيد أستاذ الجيل ـ المؤسسة المصرية العامة للتأليف ـ القاهرة ـ بدون تاريخ.
· زكي فهمي: صفوة العصر في تواريخ مشاهير العصر، مكتبة مدبولي (مصورة عن الطبعة الأولى) ـ القاهرة ـ 1995 م.
· لمعي المطيعي: هذا الرجل من مصر ـ دار الشروق ـ القاهرة ـ 1408 هـ= 1997 م.
· محمد مهدي علام: المجمعيون في خمسين عامًا ـ مطبوعات مجمع اللغة بمصر ـ القاهرة ـ 1406 هـ= 1986 م.
· نعمات أحمد فؤاد: قمم أدبية ـ عالم الكتب ـ القاهرة ـ 1984 م.
الخطابي .. أمير ثائر ودولة ناشئة
(في ذكرى معركة أنوال: 25 شوال 1339 هـ)
مصطفى عاشور
محمد بن عبد الكريم الخطابي في شبابه
كان المغرب في بداية القرن العشرين يعاني من ضعف وانقسام شديد، تمثل في انقسام الأسرة الحاكمة وصراعاتها الداخلية، واستعانة أطراف هذا الصراع للبقاء على العرش بالقوى الخارجية، أما الوجه الآخر فتمثل في التنافس الاستعماري الشرس بين الدول الكبرى للسيطرة على المغرب وتأمين نفوذها ومصالحها فيه، وبخاصة فرنسا التي كانت تتحين الفرصة للانقضاض على المغرب، غير أنها وجدت إنجلترا وألمانيا واقفتين لها بالمرصاد؛ فلجأت إلى إرضاء إنجلترا من خلال الاتفاق الودي سنة (1322 هـ = 1904 م) الذي أطلق يدها في المغرب، أما ألمانيا فاضطرت إلى إعطائها جزءًا من الكاميرون حتى تقر باحتلال فرنسا لمراكش في (13 من ذي القعدة 1329 هـ = 4 نوفمبر 1911 م).
لم يكن دخول فرنسا مدينة "فاس"، أو إعلان الحماية عليها بالأمر الهين اليسير؛ نظرا لطبيعة البلاد الجبلية ذات المسالك الوعرة، وطبيعة السكان البربر الذين اعتادوا الاحتفاظ باستقلالهم الداخلي أمام جميع الحكومات المركزية، ومن ثَمَّ لم يتم إخضاع البلاد إلا بعد مرور أكثر من عشرين عاما لعبت فيها شخصية الأمير الخطابي دورا رئيسيا في الجهاد والمقاومة، ووصف أحد الضباط الفرنسيين الكبار هذه المقاومة الباسلة بقوله: "لم تستسلم أية قبيلة دون مقاومة؛ بل إن بعضها لم يُلقِ سلاحه حتى استنفد كل وسائل المقاومة، واتسمت كل مرحلة من مراحل تقدمنا بالقتال، وكلما توقفنا أنشأ المراكشيون جبهة جديدة أرغمت قواتنا سنوات طويلة على الوقوف موقف الحذر واليقظة في موقف عسكري مشين".