ولم يكن استمرار مجلة المنار في الصدور أمرًا هينًا وسهلاً، بل صادفت صعوبات كثيرة، وأزمات مادية، ومنافسة من مجلات أخرى؛ وهجومًا من أعداء لها ضاقوا بفكرتها الإصلاحية ودعوتها التحريرية الواعية، ولم يكن الشيخ يملك جاهًا أو سلطانًا، بل كان يملك عقلاً واعيًا وقلبًا صادقًا، ورغبة ملحة في الإصلاح، وهمة عالية في الصبر والثبات ومواجهة الأزمات، ساعده ذلك على الاستمرار في صدور مجلته، وإن تعثرت أحيانًا عن الصدور شهرًا أو شهرين، لكنها لم تتوقف تمامًا حتى وفاته في (27 من جمادى الأولى 1354 هـ=22 من أغسطس 1935 م).
بعد وفاة مؤسسها
توقفت المجلة سبعة أشهر بعد وفاة الشيخ رشيد رضا، ثم أسندت رئاسة تحريرها إلى الشيخ "بهجت البيطار" من علماء سوريا المعروفين، فقام على تحريرها، وحاول إكمال التفسير الذي كان ينهض به الشيخ، فأتم تفسير سورة يوسف، ثم توقفت المنار مرة أخرى لمدة تقترب من ثلاث سنوات.
ثم أسندت أسرة الشيخ إصدار المجلة إلى الإمام المرشد "حسن البنا" مؤسس جماعة الإخوان المسلمين وكان مقدرًا للمجلة وصاحبها، فأصدر العدد الأول الجديد في (غرة جمادى الآخرة 1358 هـ=18 من يوليو 1939 م) بعد تردد، وكان لرجوعها مرة أخرى صدى واسع، عبر عنه الإمام محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر بكلمة في افتتاحية الإصدار الجديد، قدم فيه حسن البنا إلى قراء المنار، مشيدًا بعلمه وقدرته في مجال الدعوة الإسلامية.
وواصلت المجلة صدورها لكنه كان بطيء الخطى، والمهام جسيمة على رجل مثقل بالمسئوليات، مشغول بأعباء كثيرة، فلم يتمكن من الاستمرار، وتوقفت المجلة بعد أن صدر منها ستة أعداد على مدى أربعة عشر شهرًا، وذلك في سنة (1359 هـ=1940 م).
* مصادر الدراسة:
- أحمد الشرباصي: رشيد رضا، الصحفي، المفسر، الشاعر - مطبوعات مجمع البحوث الإسلامية - القاهرة - 1977 م.
- إبراهيم العدوي: رشيد رضا، الإمام المجاهد - الدار المصرية للتأليف والترجمة - القاهرة - بدون تاريخ.
- أنور الجندي: إعلام وأصحاب أقلام - دار نهضة مصر - القاهرة - بدون تاريخ.
- محمود منصور هيبة: الصحافة الإسلامية في مصر - دار الوفاء للطباعة والنشر - المنصورة - مصر - 1410=1990.
- سامي عبد العزيز الكومي: الصحافة الإسلامية في القرن التاسع عشر - دار الوفاء للطباعة والنشر - المنصورة - مصر - 1413 هـ=1992 م.
الراجكوتي .. لسان العربية في الهند
(في ذكرى وفاته: 26 من ذي القعدة 1398 هـ)
أحمد تمام
شارك العلماء المسلمون في الهند في إحياء التراث العربي، ونشر كنوزه، ولهم في ذلك أياد بيضاء على الرغم من ضعف المال وهزال الإمكانات، ولم يقف ذلك عائقا دون موالاة الصدور، ونشر أمهات الكتب في التاريخ والحديث.
وكان يقف وراء ذلك الإنتاج قلعة كبيرة من قلاع نشر التراث العربي المعروفة باسم دائرة المعارف العثمانية التي تأسست سنة (1306 هـ = 1888 م) بحيدر آباد الكدن، معتمدة على ريع وقف عليها، ومنحة مالية من الحكومة الهندية، ثم ألحقت هذه الدائرة سنة (1337 هـ = 1918 م) بالجامعة العثمانية بحيدر آباد عند إنشائها.
وقد بلغ ما نشرته حتى الآن حوالي مائتي كتاب في مختلف ميادين الثقافة العربية والإسلامية، ويعد ما نشرته من كتب الحديث ورجاله من أوسع وأعظم ما نشرته الدائرة، وهو ما لم تقم به هيئة أخرى في العالم العربي أو خارجه، وحسبك أن تعلم أنها نشرت السنن الكبرى للبيهقي في 10 مجلدات، ومستدرك الحاكم في 4 مجلدات، وكنز العمال في سنن الأقوال والأعمال في 22 جزءا، ولسان الميزان لابن حجر في 6 مجلدات.
وإلى جانب هذه الجهود الجماعية المخلصة، برز اسم "عبد العزيز الميمني" الذي أوقف عمره على البحث عن التراث العربي ونشر نوادره، ووقف بمفرده يواصل جهده المبارك في تحقيق التراث.