ولم يقتصر الذهبي في كتابه على نوع معين من الأعلام، بل شملت تراجمه فئات كثيرة، من الخلفاء والملوك والسلاطين والأمراء والقادة والقضاة والفقهاء والمحدثين، واللغويين والنحاة، والأدباء والشعراء، والفلاسفة. غير أن عنايته بالمحدثين كانت أكثر، ولذا جاءت معظم تراجمه من أهل العناية بالحديث النبوي دراية ورواية. كما اتسع كتابه ليشمل تراجم الأعلام من مختلف العالم الإسلامي، دون أن تكون له عناية بمنطقة دون أخرى، أو عصر دون آخر.
وقد عني الذهبي في كتبه بالنقد وتقييم الرجال، وإصدار أحكام يعرفها المشتغلون بالحديث، مثل: ثقة وصدوق، ومتروك وكذّاب، ولم تكن مثل هذه الأحكام تصدر عن هوى، بل وفق ضوابط محددة معروفة، لتبين أحوال رجال الحديث لمعرفة صحيح الحديث من سقيمه. وقد بلغ الذهبي مكانة مرموقة في هذا الفن، ويشهد على ذلك كتابه النفيس: ميزان الاعتدال. وهذه الطريقة النقدية استعملها الذهبي في تراجمه، وإن كان أصحابها من غير أهل الحديث أو ممن لا علاقة لهم بالرواية.
وامتلأ كتابه "السير" بكل أنواع النقد، فلم يقتصر على مجال واحد من مجالاته، فعني بنقد المترجمين، وبيان أحوالهم، وإصدار أحكام عليهم، وانتقاد الموارد التي نقل منها، ونبه إلى أوهام مؤلفها.
وقد غالى الذهبي في نقد بعض الرجال، وهو ما كان سببا لانتقادات بعض معاصريه له، مثل تلميذه عبد الوهاب السبكي.
ويجب التنبيه إلى أن "سير أعلام النبلاء" ليس مختصرًا لتاريخ الإسلام، وإن كانت كل التراجم الموجودة في "السير" سبق أن تناولها الذهبي في "تاريخ الإسلام" تقريبًا، فثمة فروق مبينها يلحظها المطالع للكتابين، فتراجم الصدر الأول في السيرة أغزر مادة من مثيلاتها في تاريخ الإسلام، كما أنه ضمّن "السير" مجموعة من الكتب التي أفردها لترجمة البارزين من أعلام الإسلام، مثل أبي حنيفة وأبي يوسف، وسعيد بن المسبب وابن حزم، وهذه المادة لا نظير لها في كتابه "تاريخ الإسلام".
على أنه يجب أن نقر أن الذهبي استفاد بطريقة أو بأخرى من مادة كتابة الضخم في تأليف "السير"، وأضاف إليها إضافات جديدة، وأعاد تنظيم بعضها. وقد طبع الكتاب بتحقيق "شعيب الأرنؤوط" وآخرين في 25 مجلدًا.
وفاته
تبوأ الذهبي مكانة مرموقة في عصره تجد صداها فيما ترك من مؤلفاته عظيمة وفي شهادة معاصريه له. ولعل من أبلغ تلك الشهادات ما قاله تلميذه تاج الدين السبكي: "محدث العصر، اشتمل عصرنا على أربعة من الحفاظ، بينهم عموم وخصوص: المزي والبرزالي والذهبي والشيخ الوالد، لا خامس لهؤلاء في عصرهم. وأما أستاذنا أبو عبد الله فبصر لا نظير له، وكنز هو الملجأ إذا نزلت المعضلة، إمام الوجود حفظًا، وذهب العصر معنى ولفظًا، وشيخ الجرح والتعديل ... "، وهذا الكلام ليس فيه مبالغة من السبكي، خاصة أنه كان من أكثر الناس انتقادًا لشيخه.
وظل الذهبي موفور النشاط يقوم بالتدريس في خمس مدارس للحديث في دمشق، ويواصل التأليف حتى كلّ بصره في أخريات عمره، حتى فقد الإبصار تمامًا، ومكث على هذا الحال حتى توفي في (3 من ذي القعدة 748 هـ= 4 من فبراير 1348 م).
* من مصادر الدراسة:
· عبد الوهاب السبكي: طبقات الشافعية الكبرى ـ تحقيق محمود محمد الطناحي وعبد الفتاح محمد الحلو ـ هجر للطباعة والنشر ـ القاهرة (1413 هـ= 1992 م)
· ابن كثير: البداية والنهاية ـ تحقيق عبد الله عبد المحسن التركي ـ هجر للطباعة والنشر ـ القاهرة ـ (1418 هـ= 1998 م)
· بشار عواد معروف: مقدمة تحقيق سير أعلام النبلاء ـ مؤسسة الرسالة ـ بيروت (1412 هـ= 1992 م)
· عبد الستار الشيخ: الإمام الذهبي ـ دار القلم ـ دمشق.
· شاكر مصطفى: التاريخ العربي والمؤرخون ـ دار العلم للملايين ـ بيروت ـ 1993 م.
المنار .. من رضا إلى البنا