تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غلاف كتاب ضحى الإسلام لأحمد أمين

كما كان يكتب في مجلة "الرسالة" الشهيرة، وأثرى صفحاتها بمقالاته وكتاباته، وخاض بعض المحاورات مع كبار كتاب ومفكري عصره على صفحات الثقافة، ومنها محاورته مع الدكتور "زكي نجيب محمود"، الذي كتب مقالا نعى وانتقد فيه محققي التراث العربي ونشر ذخائره، ورأى أن الفكر الأوروبي أجدر بالشيوع والذيوع والترجمة من مؤلفات مضى زمانها، وأطلق على كتب التراث "الكتاب القديم المبعوث من قبره"، ثم قال: "سيمضي الغرب في طريقه، وهو يحاول الصعود إلى ذرى السماء، ونحن نحفر الأجداث لنستخرج الرمم".

فأثارت هذه الكلمات المجحفة للتراث أحمد أمين؛ فرد على ما قيل، وأكد أن الغرب أسس نهضته ومدنيته على الحضارة الرومانية واليونانية، وأكد أيضا أن المستشرقين هم أول من اهتم بالتراث العربي فنشروا أصوله وذخائره.

المجامع اللغوية

وقد أصبح عضوا بمجمع اللغة العربية سنة (1359 هـ= 1940 م) بمقتضى مرسوم ملكي، وكان قد اختير قبل ذلك عضوا مراسلا في المجمع العربي بدمشق منذ (1345 هـ= 1926 م)، وفي المجمع العلمي العراقي، وبعضويته في هذه المجامع الثلاثة ظهرت كفايته وقدرته على المشاركة في خدمة اللغة العربية.

وكان رأيه أن المجمع ليست وظيفته الأساسية وضع المصطلحات وإنما عمله الأساسي هو وضع المعجم اللغوي التاريخي الأدبي الكبير، ويضاف هذا الإسهام الكبير في مجمع اللغة العربية إلى رصيده في خدمة الثقافة، كما اختير عضوا في المجلس الأعلى لدار الكتب سنة (1358 هـ= 1939 م).

السياسة

كانت السياسة عند أحمد أمين تعني الوطنية لا يرى فرقا بينهما، وترجع معرفته بالسياسة وأقطابها إلى أستاذه عاطف بركات، وقد أُعجب الزعيم سعد زغلول به وبوطنيته، وبدقة تقاريره التي كان يكتبها عن أحوال مصر إبان ثورة 1919، ورغم ميله للوفد فإنه لم يشارك في السياسة بقدر كبير خوفا من العقوبة، وفي صراحة شديدة يقول: "ظللت أساهم في السياسة وأشارك بعض من صاروا زعماء سياسيين، ولكن لم أندفع اندفاعهم، ولم أظهر في السياسة ظهورهم لأسباب، أهمها لم أتشجع شجاعتهم؛ فكنت أخاف السجن وأخاف العقوبة".

ولما قارب سن الإحالة إلى المعاش اعتذر عن رئاسة تحرير جريدة "الأساس" التي اعتزم السعوديون إصدارها، وكان في ذلك الوقت منصرفا لأعماله الثقافية والفكرية المختلفة؛ لذلك كان بعده عن السياسة موافقا لهوى في نفسه من إيثار العزلة، واستقلال في الرأي وحرية في التفكير.

شخصية لا تعطي لونا واحدا

كانت المعرفة والثقافة والتحصيل العلمي هي الشغل الشاغل لأحمد أمين، حتى إنه حزن حزنا شديدا على ما ضاع من وقته أثناء توليه المناصب المختلفة، ورأى أن هذه المناصب أكلت وقته وبعثرت زمانه ووزعت جهده مع قلة فائدتها، وأنه لو تفرغ لإكمال سلسلة كتاباته عن الحياة العقلية الإسلامية لكان ذلك أنفع وأجدى وأخلد.

وقد امتازت كتاباته بدقة التعبير وعمق التحليل والنفاذ إلى الظواهر وتعليلها، والعرض الشائق مع ميله إلى سهولة في اللفظ وبعد عن التعقيد والغموض؛ فألّف حوالي 16 كتابا، كما شارك مع آخرين في تأليف وتحقيق عدد من الكتب الأخرى، وترجم كتابا في مبادئ الفلسفة.

فجر الإسلام والحياة العقلية

أما شهرته فقامت على ما كتبه من تاريخ للحياة العقلية في الإسلام في سلسلته عن فجر الإسلام وضحاه وظهره؛ لأنه فاجأ الناس بمنهج جديد في البحث وفي أسلوبه ونتائجه، فأبدى وجها في الكتابة التحليلية لعقل الأمة الإسلامية لم يُبدِه أحدٌ من قبله على هذا النحو؛ لذلك صارت سلسلته هذه عماد كل باحث جاء من بعده؛ فالرجل حمل سراجًا أنار الطريق لمن خلفه نحو تاريخ العقلية الإسلامية.

غير أنه كتب فصلا عن الحديث النبوي وتدوينه، ووضع الحديث وأسبابه، لم يتفق معه فيه بعض علماء عصره العظام، مثل: الشيخ محمد أبو زهرة، والدكتور مصطفى السباعي؛ فصوبوا ما يحتاج إلى تصويب في لغة بريئة وأدب عف، وقرأ أحمد أمين ما كتبوا وخصهم بالثناء، إلا أن البعض الآخر قال: إنه تلميذ المستشرقين، واتهموه بأنه يشكك في جهود المحدثين.

بعض المعاصرين · الصفحة ٢٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بعض المعاصرينص ٢٦٦