وإلى جانب همته في المطالعة اتصل بعدد من علماء دمشق المعروفين، من أمثال الشيخ طاهر الجزائري والشيخ سليم البخاري والشيخ محمد المبارك، وقرأ عليهم كتب الأدب واللغة والبلاغة والفقه والتفسير والفلسفة، فوقف بذلك على التراث العربي وتمثله خير تمثيل.
ولم يغفل في أثناء ذلك عن مطالعة خير ما كتبه أدباء فرنسا من أمثال: فولتير، وروسو، ومونتسكيو، وبنتام، وسبنسر، وغيرهم، فضلا عن قراءة ما تكتبه الدرويات الفرنسية التي تصل إلى دمشق.
وبعد الانتهاء من الدراسة الثانوية دخل الوظيفة كاتبا في قلم الأمور الأجنبية سنة (1310 هـ= 1892 م) وهو في السابعة عشرة، وكان يعرف الفرنسية والتركية؛ وهو ما أعانه على أن يظل في هذه الوظيفة ست سنوات، كان خلالها يرسل بمقالاته إلى الصحف المحلية.
في رحاب الصحافة
واصل محمد كرد علي الكتابة في الصحف حتى بلغ الثانية والعشرين من عمره، وازدادت خبراته، وتمرس بالكتابة، وأصبح قادرا على التعبير المحكم والتحليل الدقيق، وعهد إليه بتحرير مجلة الشام الأسبوعية، وهي أول مجلة تظهر في دمشق، ومكث يعمل في هذه المجلة ثلاث سنوات، اتصل في أثنائها بمجلة المقتطف المصرية، وكان صاحبها قد شكا لـ"شكيب أرسلان" انفراده بالتحرير، واحتياجه إلى كفاءة تعاونه؛ فدله على محمد كرد علي، وكان ذلك سببا في شهرته في العالم العربي، وخرج من نطاق ضيق بالشام إلى إقليم واسع كان موطن الصحافة والثقافة العريضة.
الرحلة إلى مصر
غلاف كتاب القديم والحديث لكرد علي
رغب محمد كرد علي في استكمال ثقافته في فرنسا؛ فقصد مصر سنة (1319 هـ=1901 م) لزيارتها ورؤية معالمها ومقابلة أدبائها ومفكريها والتواصل معهم، غير أن بعض صحبه أقنعه بالاستقرار في مصر، وعرض عليه تحرير جريدة "الرائد المصري" فوافق على ذلك، وقد أفاد الشاب النابه من مُقامه بمصر؛ فاتصل بالكتاب والأدباء، وتردد على حلقة الشيخ محمد عبده التي كان يعقدها لتفسير القرآن مرتين كل أسبوع بالرواق العباسي بالجامع الأزهر، كما كان يغشى مجالسه الخاصة، فتعرف على أعلام مصر واتصل بهم، غير أن فترة إقامته لم تطل بمصر أكثر من 10 أشهر، عاد بعدها إلى دمشق فرارا من وباء الطاعون الذي انتشر في مصر بتلك الفترة.
وبعد أن قضى فترة في دمشق ضاق خلالها بعنت الحكام ومؤامرات الأعداء عاد إلى القاهرة مرة ثانية للاستقرار بها سنة (1323 هـ= 1905 م)، وأصدر بها مجلة المقتبس الشهرية، تحمل إلى القراء أطيب صفحات الأدب والشعر في القديم والحديث، وتولى إلى جانب ذلك تحرير جريدة "الظاهر" اليومية، ولما أُغلقت دعاه الشيخ علي يوسف صاحب جريدة المؤيد -وهي يومئذ كبرى الجرائد في العالم الإسلامي- إلى التحرير فيها؛ فعمل بها إلى سنة (1326 هـ= 1908 م) حيث غادر القاهرة إلى دمشق.
العودة إلى دمشق
بعد عودته إلى وطنه أنشأ مطبعة وجريدة يومية باسم "المقتبس" كما أعاد إصدار مجلة المقتبس الشهرية التي كان قد أصدرها بالقاهرة؛ لتكون لسان حال الثقافة الرفيعة، وكانت الجريدة اليومية (المقتبس) صوت حرية وسوط عذاب على الظلم والاستبداد، وكانت مقالاته الساخنة فيها تحارب الجهل والجهلاء، وتدعو إلى التحرر من الخرافات، وتنادي بالإصلاح والتجديد، والأخذ بوسائل المدنية الحديثة، وإحياء التراث النافع، ومعرفة التاريخ المجيد للأمة؛ حتى تستلهم منه روح البعث والنهوض.
وكان من أثر ذلك أن احتلت جريدة المقتبس مكانة عالية، وأقبل الناس عليها، وقوي تأثيرها بينهم، فهابها كبار الموظفين وأصحاب الجاه، وصاروا يعملون لها ألف حساب، وقد تعرض محمد كرد علي إلى مخاطر عديدة بسبب جرأة المقتبس، ورفعت ضده دعاوى في المحاكم، غير أن البراءة كانت تنتظره في كل مرة؛ لأن القضاء كان لا يرى في كتاباته ونقده إلا النية الحسنة وطلب الإصلاح، ولما اشتدت عليه حملات المغرضين واتهامات أصحاب النفوذ والسلطات غادر دمشق سرا إلى فرنسا، وأقام بها فترة، فوقف على حركتها العلمية، والتقى بساستها ومفكريها، وقد كتب عن هذه الرحلة التي أقامها بباريس 35 مقالة نُشرت في كتابه "غرائب الغرب".