تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأطلق طاقته لتحقيق مسند أحمد بن حنبل، وهو أضخم دواوين السنة، وكان التعامل مع المسند يحتاج إلى معرفة واسعة وعلم مكين، فالكتاب يقوم على جعل أحاديث كل صحابي على حدة، فمسند ابن مسعود مثلاً يضم الأحاديث التي رواها دون ترتيب، وهكذا، وكانت صعوبة التعامل مع المسند مصدر شكوى من كبار المحدثين وأعلامهم، وهو ما جعل الحافظ الذهبي يتمنى أن يقيض لهذا الديوان الكبير من يخدمه ويبوبه، ويرتب هيئته.

وكان عمل "شاكر" في تحقيق المسند عظيمًا فأخرج منه خمسة عشر جزءًا على أحسن ما يكون التحقيق؛ فقد رقم أحاديث الكتاب، وعلّق عليها وخرّجها، وحكم عليها صحة وضعفًا، وضبط أعلامها، وشرح غريبها، وجعل لكل جزء فهارس فنية دقيقة.

ولم تقتصر جهوده على ميدان السنة يحقق كتبها ويخرجها للناس في أحسن صورة من الضبط والتحقيق، بل كانت له جهود مشكورة في ميدان اللغة والأدب، فأخرج للناس "الشعر والشعراء" لابن قتيبة، و"لباب الآداب" لأسامة بن منقذ، و"المعرب" للجواليقي، واشترك مع الأستاذ عبد السلام هارون في تحقيق "المفضليات" و"الأصمعيات" و"إصلاح المنطق لابن السكيت".

مؤلفاته وبحوثه

شغل التحقيق وقت الشيخ واستنفد طاقته الفكرية، وكان له قلم متمكن وعلم واسع، لو وجههما إلى التأليف لأخرج بحوثُا جديدة، ولكنه اتجه إلى الأصول يخرجها للناس باذلاً فيها جهده وطاقته، ومؤلفاته على قلتها تحمل فكرًا حرًا واجتهادًا مشكورًا، ولم يكن الشيخ يلتزم بمذهب معين على الرغم من تفقهه على المذهب الحنفي، وحصوله على الشهادة العالمية على أساس هذا المذهب.

وكان أهم ما ألفه من كتب: "نظام الطلاق في الإسلام"، و"الكتاب والسنة"، و"كلمة حق"، و"عمدة التفسير"، وهو اختصار قام به لتفسير ابن كثير، وأخرج منه خمسة أجزاء، و"الباعث الحثيث"، وهو شرح لكتاب "اختصار علوم الحديث" لـ ابن كثير، وشرح أيضًا "ألفية الحديث" للسيوطي.

بعض اجتهادات الشيخ أحمد شاكر

كان الشيخ أحمد شاكر يرى وجوب الإشهاد على الطلاق، معتمدًا على الفقه الشيعي في هذه المسألة التي استند فيها إلى قوله تعالى: (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله) [الطلاق: 2].

وكان يرى أيضًا الأخذ بالحساب الفلكي في إثبات أوائل الشهور العربية بديلاً عن الرؤية الشخصية، ولهذه المسألة قصة يجب إيرادها، فقد كان للشيخ "محمد مصطفى المراغي" شيخ الجامع الأزهر فتوى بجواز ذلك، فعارضه فريق من العلماء كان في طليعتهم الشيخ محمد شاكر، وكان ابنه "أحمد" ينتصر له ويرى رأيه، وكتب عدة مقالات تؤيد الرؤية الشخصية، ثم بدا له بعد التحقيق وتناول المسألة في تأن وروية وإعمال للفكر ما يخالف وجهة نظر والده، فأخرج رسالة صغيرة في حياة أبيه بعنوان "أوائل الشهور العربية هل يجوز شرعًا إثباتها بالحساب الفلكي"، رجع فيها إلى رأي المراغي، وأعلن في صراحة أنه كان على صواب، فقال: "كان والدي وكنت أنا وبعض إخواني ممن خالف الأستاذ الأكبر في رأيه، ولكني أصرح الآن أنه كان على صواب، وأزيد عليه وجوب إثبات الأهلة بالحساب في كل الوقت إلا لمن استعصى عليه العلم".

وفاته

بلغ الشيخ في معرفة حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رواية ودراية ما لم يبلغه إلا الأفذاذ من المحدثين في عصره، وارتقى قمة تحقيق كتب السنة، وعُد رائدًا لنشر نصوص الحديث النبوي، وتابعه كثير من العلماء في عمله، وقد بلغ مجموع ما نشره سواء ما كان من تأليفه أو من تحقيقه 34 عملاً، وتنوعت أعماله فشملت السنة والفقه والأصول والتفسير والتوحيد واللغة، وسعة هذه الميادين تدل على ما كان يتمتع به الشيخ من غزارة العلم ورحابة الأفق والتمكن والفهم.

وظل الشيخ يعمل في همة لا تعرف الملل في استكمال ما بدا من أعمال، لكن المنية عاجلته فلقي ربه في (26 من ذي القعدة 1377 هـ = 14 من يونيو 1958 م).

بعض المعاصرين · الصفحة ٢٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بعض المعاصرينص ٢٤٤