"الغزالي" بين رجال الإصلاح
يقف "الغزالي" بين دعاة الإصلاح كالطود الشامخ، متعدد المواهب والملَكات، راض ميدان التأليف؛ فلم يكتفِ بجانب واحد من جوانب الفكر الإسلامي؛ بل شملت مؤلفاته: التجديد في الفقه السياسي ومحاربة الأدواء والعلل، والرد على خصوم الإسلام، والعقيدة والدعوة والأخلاق، والتاريخ والتفسير والحديث، والتصوف وفن الذكر، وقد أحدثت بعض مؤلفاته دويًّا هائلاً بين مؤيديه وخصومه في أخريات حياته مثل كتابَيه: (السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث) و (قضايا المرأة المسلمة).
وكان لعمق فكره وفهمه للإسلام أن اتسعت دائرة عمله لتشمل خصوم الإسلام الكائدين له، سواءٌ أكانوا من المسلمين أو من غيرهم، وطائفة كبيرة من كتبه تحمل هذا الهمّ، وتسدُّ تلك الثغرة بكشف زيغ هؤلاء، ورد محاولاتهم للكيد للإسلام.
أما الجبهة الأخرى التي شملتها دائرة عمله فشملت بعض المشتغلين بالدعوة الذين شغلوا الناس بالفروع عن الأصول وبالجزئيات عن الكليات، وبأعمال الجوارح عن أعمال القلوب، وهذه الطائفة من الناس تركزت عليهم أعمال الشيخ وجهوده؛ لكي يفيقوا مما هم فيه من غفلة وعدم إدراك، ولم يسلم الشيخ من ألسنتهم، فهاجموه في عنف، ولم يراعوا جهاده وجهده، ولم يحترموا فكره واجتهاده، لكن الشيخ مضى في طريقه دون أن يلتفت إلى صراخهم.
وتضمنت كتبه عناصر الإصلاح التي دعا إليها على بصيرة؛ لتشمل تجديد الإيمان بالله وتعميق اليقين بالآخرة، والدعوة إلى العدل الاجتماعي، ومقاومة الاستبداد السياسي، وتحرير المرأة من التقاليد الدخيلة، ومحاربة التدين المغلوط، وتحرير الأمّة وتوحيدها، والدعوة إلى التقدم ومقاومة التخلف، وتنقية الثقافة الإسلامية، والعناية باللغة العربية.
واستعان في وسائل إصلاحه بالخطبة البصيرة، التي تتميز بالعرض الشافي والأفكار الواضحة التي يعد لها جيدًا، واللغة الجميلة الرشيقة، والإيقاع الهادئ والنطق المطمئن؛ فلا حماسة عاتية تهيج المشاعر والنفوس، ولا فضول في الكلام يُنسي بضعه بعضًا، وهو في خُطَبه معلِّم موجه، ومصلح مرشد، ورائد طريق يأخذ بيد صاحبه إلى بَر الأمان، وخلاصة القول إن الغزالي توافرت فيه من ملكات الإصلاح ما تفرق عند غيره؛ فهو: مؤلف بارع، ومجاهد صادق، وخطيب مؤثر، وخبير بأدواء المجتمع بصير بأدويته.
من أهم مؤلفاته
- الإسلام والأوضاع الاقتصادية (وهو أول كتبه 1947 م)
- السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث.
- قضايا المرأة المسلمة.
- فقه السيرة.
- دستور الوحدة الثقافية (وهو شرح للأصول العشرين).
- من هنا نعلم.
- قذائف الحق.
- ركائز الإيمان.
- الإسلام والاستبداد السياسي.
- علل وأدوية.
الوفاة
لقي الشيخ ربه وهو في الميدان الذي قضى فيه عمره كله- حيث كان في مؤتمر للدعوة الإسلامية بالرياض، واحتد النقاش في مسألة متعلقة بالعقيدة فانبرى الشيخ موضحًا ومعلمًا فأصيب بأزمة قلبية تُوفي على أثرها- رحمه الله- في (19 من شوال 1270 هـ = 9 من مارس 1996 م)، ودُفِن بالبقيع في المدينة المنورة.
من مصادر الدراسة:
- يوسف القرضاوي: الشيخ الغزالي كما عرفته - دار الشروق - القاهرة - 1420 - 2000 م.
- عبد الحليم عويس وآخرون: الشيخ "محمد الغزالي" .. صور من حياة مجاهد عظيم ودراسة لجوانب من فكره - دار الصحوة للنشر - القاهرة 1413 هـ = 1993 م.
- محمد عمارة: الشيخ "محمد الغزالي" .. الموقع الفكري والمعارك الحربية - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة - 1992 م.
- محمد رجب بيومي: النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين - دار القلم - دمشق 1420 هـ = 1999 م.
* منقول من موقع إخوان أون لاين
الحريري .. ومقاماته البديعة
(في ذكرى وفاته: 6 من رجب 516 هـ)
أحمد تمام
غلاف مقامات الحريري