فرحم الله الشيخ وأسكنه فسيح جناته.
41*كان الشيخ محمد شاكر من علماء الأزهر النابغين الذين برزوا في مطلع القرن الرابع عشر الهجري، وهو ينتمي إلى أسرة "أبي علياء" بجرجا من صعيد مصر، وهي أسرة شريفة، ينتهي نسبها إلى الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، تلقى تعليمه بالأزهر، واتصل بكبار علمائه، وتتلمذ على أيديهم.
وبعد تخرجه عمل أمينًا للفتوى بالأزهر، ثم عمل بالقضاء، ثم اختير لمنصب قاضي القضاة بالسودان في (10 من ذي القعدة 1317 هـ = 11 من مارس 1900 م)، فهو يعد أول من ولي هذا المنصب في السودان، ووضع نظم القضاء الشرعي، ثم عين في سنة (1332 هـ = 1905 م) شيخًا لعلماء الإسكندرية، وشيخًا لمعهدها الديني، ثم اختير وكيلاً لمشيخة الجامع الأزهر في (9 من ربيع الآخر 1327 هـ = 29 من إبريل 1909 م)، فكان من دعاة الإصلاح في الأزهر وتطوير مناهجه ونظمه، ثم استقال من الوكالة بعد أن اختير عضوًا في الجمعية التشريعية سنة (1331 هـ = 1913 م)، وتفرغ للعمل العام، والإدلاء برأيه في القضايا العامة والكتابة في الصحف، وكان من زعماء الأزهر في ثورة 1919 م.
وقد أنجب الشيخ عددًا من الأبناء، نبغ منهم اثنان، أما أحدهما فهو العلامة المحدث أحمد محمد شاكر، وقد انتهت إليه رئاسة الحديث في مصر، وأما الآخر فهو الأديب الكبير محمود محمد شاكر، صاحب أباطيل وأسمار، والقوس العذراء، والمتنبي، وغيرها.
المولد والنشأة
ولد أحمد محمد شاكر في مدينة القاهرة في فجر يوم الجمعة الموافق (29 من جمادى الآخرة 1309 هـ = 29 من يناير 1892 م)، وتعهده أبوه بتعلم مبادئ القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم، ثم انتقل مع أبيه إلى السودان وهو في الثامنة من عمره، والتحق بكلية غوردون بمدينة الخرطوم، وظل بها فترة إقامة أبيه في السودان، فلما عاد الوالد إلى مصر ليتولى مشيخة علماء الإسكندرية في (10 من صفر 1322 هـ = 26 من إبريل 1904 م) ألحق ابنه بمعهد الإسكندرية الديني، وكان هذا المعهد قد أنشئ في (29 من المحرم 1321 هـ = 27 من إبريل 1903 م)، ويتبع التعليم فيه نظام التدريس بالأزهر، وكان شيخ هذا المعهد يُسمى شيخ علماء الإسكندرية.
وأكب الطالب النابه على الدرس والتحصيل ينهل من العلوم الشرعية واللغوية التي تدرس في المعهد، وتطلعت همته إلى المزيد من التحصيل؛ فاتصل بالشيخ "محمود أبو دقيقة"، وكان يُدرس في المعهد، وعضو جماعة كبار العلماء بالأزهر الشريف، فحبب إليه الفقه والأصول حتى تمكن منهما.
وحضر على أبيه دروس التفسير؛ حيث كان يقرأ لتلاميذه تفسير النسفي وتفسير البغوي، كما قرأ لهم صحيح مسلم، وسنن الترمذي، وبعضًا من صحيح البخاري، ودرس جمع الجوامع وشرح الإسنوي على المناهج في أصول الفقه، وكتاب الهداية في الفقه الحنفي، كما شرح لهم دروسًا في البيان والمنطق.
العودة إلى القاهرة
انتقل أحمد شاكر إلى القاهرة سنة (1327 هـ = 1909 م) بعد أن عين أبوه وكيلاً لمشيخة الجامع الأزهر، وفي القاهرة اتسعت أمامه آفاق القراءة والتحصيل والاتصال بالعلماء والالتقاء بهم، سواء أكانوا من علماء الأزهر أو من المترددين على القاهرة، ولا يكاد يسمع بعالم ينزل القاهرة حتى يتصل به، فتردد على العلامة عبد الله بن إدريس السنوسي محدث المغرب، وقرأ عليه، فأجازه برواية الكتب الستة، واتصل بالشيخ محمد الأمين الشنقيطي، وأحمد بن الشمس الشنقيطي، وشاكر العراقي، وطاهر الجزائري، ومحمد رشيد رضا، والشيخ سليم البشري شيخ الجامع الأزهر، وقد أجازه جميعهم بمروياتهم في السنة النبوية.
وقد هيأت له هذه اللقاءات بعلماء الحديث والتتلمذ على أيديهم أن يبرز في علوم السنة، وأن تنتهي إليه إمامة الحديث في مصر لا ينازعه فيها أحد.
وفي سنة (1336 هـ = 1917 م) حصل على الشهادة العالمية من الأزهر، واشتغل بالتدريس فترة قصيرة، عمل بعدها في القضاء، وترقى في مناصبه حتى اختير نائبًا لرئيس المحكمة الشرعية العليا، وأحيل إلى التقاعد سنة (1371 هـ = 1951 م).