تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الثاني: إن وحدة الحقيقة تفرض أنه لا يوجد تعارض أو خلاف أو تفاوت مطلق بين العقل والوحي. فوحدة الحقيقة ترفض رفضاً قاطعاً فكرة عدم وجود مبدأ أو حقيقة أو فهم أعلى يمكن أن يزيل التناقض. إن الإنسان وهو يبحث في الطبيعة ويحاول أن يكتشف السنن القانونية التي أوجدها الخالق في الكون، يمكن - بل من المؤكد - أن يخطئ أو يتوهم أو يظن أنه قد أمسك بالحقيقة مع أنه يكون في الواقع مخطئا . ومثل هذا الموقف قد يخلق تعارضاً ظاهريا بين العقل والوحي. فوحدة الحقيقة ترفض هذا التعارض وترى أنه وهم، وتطالب الباحث بالعودة إلى النظر ثانية في معطياته وفحصها من جديد. فقد يكون سبب التعارض فيما انتهى إليه العلم أو العقل من نتائج، وفي مثل هذه الحالة يحسن بالباحث أن يعود إلى معطياته ويفحصها ثانية. وقد يرجع السبب كذلك إلى إساءة فهمه للوحي، وهنا أيضاً يكون عليه أن يراجع مسلماته.

الثالث: إن وحدة الحقيقة ، أو طبيعة قوانين المخلوقات والسنن الإلهية، تفرض أن باب البحث في طبيعة الخلق أو في أي جزئية منه لا يمكن أن يغلق، وذلك لأن سنن الله في خلقه غير محدودة. فمهما عرفنا منها، ومهما تعمقنا في هذه المعرفة، فلا يزال هناك دائماً المزيد منها ليكتشف. ومن هنا، فإن الاستعداد لقبول الجديد من البراهين، والإصرار على متابعة البحث هي خصائص لازمة للعقل المسلم الذي قبل مبدأ وحدة الحقيقة فالموقف الناقد لكل الدعاوى الإنسانية، والبحث الدائب وراء قوانين الطبيعة التي لا تكون نهائية أبداً، هما في ذات الوقت شرطان لازمان للمنهج الإسلامي وللعلم الأصيل. ومن هذا المنطلق، فإن أقوى حكم يبقى دائماً مؤقتاً، ويظل صالحاً حتى تظهر أدلة جديدة تشكك فيه أو تفنده أو تؤكد صحته. إذن، فإن أعلى حكمة، وأوثق قرار يجب أن يعقبه هذا التأكيد "والله أعلم".

(4) وحدة الحياة:

أسلمة المعرفة · الصفحة ٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أسلمة المعرفةص ٦٠