تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعندما تنشر في هذه الأماكن غير المتحضرة الكلام الطيب وتدعو إلى الديانة الحقة والوحيدة المتوحشين الذين يعيشون فيها تكون قد أضافت للعملية الكمية المطلوبة من النفحة الإيمانية.

قام إذن استعمار أمريكا منذ البداية في إطار أيديولوجي ثنائي الهدف. كان البحث عن الثروة هو بالطبع الهدف الأساسي ، ولكن أيضاً كان هناك الهدف الآخر وهو العمل على تمجيد خلق الله. أضاف إذن المستوطنون إرادة روحانية لشعب يدعي بأنه شعب مختار، لإقامة مجتمع جديد مميز قادر على إعطاء الدروس لباقي العالم وجاءت هذه الإرادة لتضاف إلى «جوعهم للأراضي» وإلى هشاشة أوضاعهم. يقول المؤرخ الأمريكي دانيال بورستين حول هذا الموضوع في كتابه الموسوعي(1):«لم يكن هناك شعب في التاريخ واثق من أنه على الصراط المستقيم مثل الشعب الأمريكي».

كان وراء اندفاع الحملة الكبرى جمعية أبرشية سكروبي Scrooby وأتباعها هم أنصار نظرية متزمتة صارمة وقاسية. ذهب أعضاؤها في عامي 1608و1609 إلى هولندا للبحث عن ملجأ. وحملوا معهم في حقائبهم أفكاراً متعصبة ورؤية متشائمة قائمة على القناعة بأن الخطيئة موجودة في كل زمان ومكان، ولكن كان لديهم في نفس الوقت القناعة بأن لا أحد جدير أن يلتحق بطائفتهم بحق إن لم يكن مكتوباً له ذلك باعتبارهم اتباع الداعية «كالفان Calvin». ولم يكن يسمح لأحد بالانتساب لهم على كل حال قبل أن يقدم البرهان على استقامته في عقيدته الدينية، كما لم يكن هناك مكان للمعترضين أو المتشككين أو لأصحاب الرأي الحر.

(1) ذكرت أسماء الكتب والمؤلفين في نهاية الكتاب انظر المراجع.

أمريكا المستبدة · الصفحة ٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أمريكا المستبدةص ٩