لم تكتف أمريكا بغزوها لعالم التقاليد (العادات الغذائية واللباس ..إلخ) بل حققت لنفسها تقدماً حاسماً على طريق الاحتكار الفكري. فقد تبدلت جذرياً التصرفات في مجال البحث العلمي والإجراءات في المخابر والمواقف الذهنية المتعلقة بالمعرفة وذلك منذ بروز العالم العلمي الأمريكي. فمن جهة وكما يذكرنا فيليب انجلهرد فإن فرضية غابور – القائلة «بأن كل شيء ممكن سيتم تحقيقه يوماً ما»- قد تحكمت أي تعامل مع الظواهر العلمية حتى جعلت ممكناً حتى الأكثر خيالاً والأكثر تخريباً(1). ثم أن الأولوية الاقتصادية قد تحكمت بكل هذه الأيديولوجية فربطت أمريكا أي اقتراب من دراسة العلاقات الإنسانية علمياً بمتطلبات سوق المبيعات. ولكي لا تشعر باقي الدول أنه قد تم تجاوزها فقد وجدت نفسها مجبرة لتتخذ نفس الاتجاه. فكل مسألة لا تهدف إلى اعتبارات الربح والسيطرة على العالم بالنسبة للولايات المتحدة هي مسائل لاغية. وهذا لم يصب العلوم فقط فالجامعة كلها اليوم غارقة برؤية الأشياء على «الطريقة الأمريكية». لقد بات من الطبيعي الذهاب إلى جامعة أمريكية وإلا واجهت خطر فقدان قيمتك العلمية. فالهالة التي وضعها الأمريكيون على المجلات العلمية الأساسية في كل أقسام الجامعات كما أن تدخلهم في مشاريع أو في مراكز البحث المحترمة مثل مراكز البحث العلمي في جنيف أو فرض هيمنة اللغة الإنكليزية – الأمريكية كل ذلك يعزز شيئاً فشيئاً سلطانهم المطلق الذي يمكن أن لا يكون كلياً على الأمد القصير لولا أنهم استطاعوا أيضاً السيطرة على عالم الاتصالات.
التهديد بالوصاية في عالم الاتصالات:
(1) نقصد هنا الاستنساخ، فإن بدت الولايات المتحدة بأنها متحفظة بإطلاق البحوث في هذا المجال (نحن لا نجهل الخبث الذي تعطيه لمخاوفها) فإن آسيا قد حصلت على هذا الحق بشرائه من إحدى المختبرات الأمريكية فحظر الرئيس كلينتون على المخبر متابعة تجاربه.