ومِنْ هُنَا (؟!) دَخَلَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ الله ووَلَجَ، ولَوْلا مَا هُنَا لكُمَلَ وخَرَجَ؛ حَيْثُ اعْتَرَاهُ بَعْضُ الأحَايِيْنِ، مَضَائِقُ أخْلاقٍ في لِيْنٍ، وجَفْوَةٌ للغَرِيْبِ يَكَادُهَا ولا يُبِيْنُ، لِذَا تَجَافَلَ عَنْهُ طُلَّابُهُ، وتَقَالَلَ أحْبَابُهُ، إلَّا نَزْرٌ في إقْلالٍ، وقَطْرَةٍ في قِلالِ، لكِنَّهُ إذَا اسْتَكَانَ لزَائِرِهِ وقَاصِدِهِ، كَانَ وَدِيْعًا بَدِيْعًا لعَائِدِهِ، سَهْلًا مَلِيْحًا في مُحَادَثَتِهِ، طَيِّبًا كَرِيمًا في مُبَاحَثَتِهِ ... لَكِنَّ الكَمالَ عَزِيْزٌ، وشَيْخُنَا عَزِيْزٌ!
( ومَا أجْمَلَ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ الله :
تَصَبَّرْ على مُرِّ الجَفَا مِنْ مُعَلِّمٍ فَإنَّ رُسُوْبَ العِلْمِ في نَفَرَاتِهِ
ومَنْ لم يَذُقْ مُرَّ التَّعَلُّمِ سَاعَةًً تَجَرَّعَ ذُلَّ الجَهْلِ طُوْلَ حَيَاتِهِ
* * *
( فكَانَ رَحِمَهُ الله مُنْكَفًّا على نَفْسِهِ في قِرَاءَةٍ وتَألِيْفٍ، أغْلَقَ بَابَهُ على التَّدْقِيْقِ والتَّصْنِيْفِ، رَاضٍ بخَلَوَاتِهِ مُسْتَأنِسٌ، مَاضٍ في طَلَعَاتِهِ مُتَحَسِّسٌ، صَبُوْرٌ فَخُوْرٌ، فَلِمَاذَا حِيْنَئِذٍ التَّشَكِّي؟!
وقَدْ حَادَثْتُهُ مَرَّةً فَأبَى، ورَاجَعْتُهُ أخْرَى فَنَبَى، فبَايَنَنِي بالحَدِيْثِ وتَنَهَّدَ، وسَارَرَني بكَوَائِنِ الزَّمَانِ وعَدَّدَ، وحَذَّرَني مِنْ بَنَاتِ طَبَقٍ، ومِنْ زَبَدِ مَفَالِيْسِ اللَّفَقِ .
( ومَا أجْمَلَ مَا قَالَهُ الأحَيْمِرُ السَّعْدِيُّ :
عَوَى الذِّئْبُ فَاسْتَأنَسْتُ بالذِّئْبِ إذْ عَوَى وصَوَّتَ إنْسَانٌ فَكِدْتُ أطَيْرُ
رَأى اللهُ أنِّي للأنِيْسِ لشَانِئٌ وتُبْغِضُهُم لي مُقْلَةٌ وضَمِيْرُ
* * *