وإذا قال صاحب البيت للمستأذن: من أنت؟ فلا يجوز له أن يقول: «أنا»، بل يفصح باسمه وكنيته إن كان مشهورًا به، لأن لفظة «أنا» يعبر بها كل أحد عن نفسه؛ فلا يحصل بها معرفة المستأذن وقد ثبت معنى هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبوتًا لا مطعن فيه، قال جابر: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في دَيْن على أبي، فدققت الباب فقال: «من ذا؟»، فقلت: «أنا»، فقال: «أنا، أنا» كأنه كرهها (1) .
وإنما كره النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك لأن قوله: «أنا» لا يحصل بها تعريف، وإنما في ذلك أن يذكر اسمه كما فعل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لأن في ذكر الاسم إسقاط كُلْفَةِ السؤال والجواب فقد أتى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في مشربة له فقال: السلام عليك يا رسول الله, السلام عليكم أيدخل عمر؟ (2) .
فتكرير النبي - صلى الله عليه وسلم - لفظة: «أنا» دليل على أنه لم يرضها من جابر؛ لأنها لا يعرف بها المستأذن, فهي جواب له - صلى الله عليه وسلم - بما لا يطابق سؤاله.
وظاهر الحديث: أن جواب المستأذن بـ «أنا» لا يجوز لكراهة النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك وعدم رضاه به خلافًا لمن قال: إنه مكروه كراهة تنزيه وهو قول الجمهور (3) .
قال النووي وغيره: ولا بأس أن يقول: الشيخ فلان، أو القارئ فلان، أو القاضي فلان، إذا لم يحصل التمييز إلا بذلك، وإنما علة الكراهة لعدم حصول الفائدة بقوله:(أنا) فإنه ما زاد على أنَّ ثم على الباب إنسانًا وذلك حاصل بالاستئذان (4) .
(1) أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان، باب إذا قال: من ذا؟ فقال: أنا، رقم (6250)، ومسلم كتب الآداب باب كراهة قول المستأذن: أنا، إذا قيل: من هذا، رقم (2155).
(2) أخرجه أبو داود في الأدب وأحمد في المسند [1/303].
(3) أضواء البيان، 6.
(4) نقله عنه صاحب غذاء الألباب، (1/243).