رَبّنا الذي مَنَحَنَا قَلْباً ذا لُبٍّ حافِظاً ، ولِساناً ذا نُطقٍ لافظاً ، وحفِظَنا من غَمَرات طوارِق الأسقام ، وجَعلنا الْمُستدركين لبقيَّةِ الأيام .
ونَصَبَ لنا راياتِ الْهُدَى والإيمان بَعْدَ دُرُوْسِهِ ، وخَفَضَ شَانَ الكُفْرِ والطُّغيانِ بِهَدِّهِ وطُمُوْسِهِ .
نحمدُ الله حَمْداً لا ينقطعُ عَدَدُهُ ، ولا ينصَرِمُ مَدَدُهُ على مُجْمَلاتِ نِعَمِهِ الكافِيةِ ، ومُوجباتِ مِنَنِهِ الشافِيَةِ ، فهو الذي جَعَلَ العُلماءَ ورثة الأنبياء ، ففرَضَ لَهُمْ مِن تَرِكَتِهِم نَصِيباً مَفروضاً .
وفضّلَ الْحُكَماءَ العُقلاءَ على الْجُهلاءِ السُّفهاءِ ، ودبَّرَ الأنامَ بتدبيرِهِ القوِيّ ، وقدرَ الأحكام بتقدِيره الْخَفِيّ .
نحمدُهُ على ما أَلْهَمَ ، وَعَلَّمَ من العِلْمِ ما لَمْ يُعْلَم ، وشرَحَ صُدُوْرَ العارفين بِنُوْرِ هِدايتِهِ ، وزَيَّنَها بالإيمانِ .
ونَشكرُهُ على ما أَلْهَمَهَا وأَلْهَمَنَا مِنْ حِكْمَتِهِ ، وهَدَانا لِمَعْرِفَتِهِ ، وأَكْرَمَنَا بِتَقْوَاهُ وطاعَتِهِ .
نشكرهُ شُكرَ العارفين لِعَظَمَتِهِ ، المُقرّينَ بوحدانيته وقُدرته ، فهو الذي شرع شوارع الشرائع ؛ لإحكامِ أَحكامِ الوقائِعِ ، وأعزَّ صاحِبَ العِلمِ في الأعصَار ، وأعلى شأنَهُ في الأمصَار .
وكَمَّلَ الإنسانَ على حَسبِ ما تقتَضِيه حِكْمَتُهُ في كُلِّ عَصْرٍ وزمانٍ ، ونوّرَ قَلْبَهُ بِنُورِ العِرفان ، وسيَّرَهُ وخيَّرَهُ في إطار ظرْفَي الزمان والمكان .
وأَطْلَعَ في سَماءِ الأزَلِ شَمْسَ مَعارِفَ أنوارِ مَعارِفِ النُّبُوَّة مَناراً لِلْمُتَّقِينَ ، وخَصَّ هذه الأُمَّةَ الإسلامية الشريفة بخصائص مذاهِبِها السُّنِّيَّةِ الأربعةِ الواضِحَةِ دَليلاً للمُهتدين ، وبَعَثَ على رأسِ كُلِّ قَرْنٍ من السنين مَنْ يُجَدِّد لَهَا أمْرَ الدِّينِ ، ويقطع دابِرَ الشَّكِّ باليقين .