من غض بصره عن محارم الله ؛ عوضه الله بأن يطلق نور بصيرته عوضة عن حبسه بصره لله ، ويفتح له باب العلم والإيمان والمعرفة والفراسة الصادقة المصيبة التي إنما تنال ببصيرة القلب .
وضدُّ هذا ما وصف الله به اللوطية من العمه الذي هو ضد البصيرة، فقال: ﴿ لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ﴾
وقال الشاعر : قالوا جُننْت بِمَنْ تهوى فقلتُ لَهُمْ العشقُ أعظمُ مِمَّا بالمَجانين
العشقُ لا يستفيقُ الدَّهْرُ صاحِبُهُ وإنَّما يُصْرعُ المَجنونُ في الحين
السابعة : إنه يورث القلب ثباتاً وشجاعة وقوة . وضد هذا ؛ كما قال الحسن : ( إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين ؛إن ذلَّ المعصية في رقابهم ،أبى الله إلا أن يذل من عصاه )(1) .
وقد جعل الله سبحانه العز قرين طاعته والذل قرين معصيته : فقال تعالى: ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾
الثامنة : أنه يسد على الشيطان مدخله إلى القلب ؛فإنه يدخل مع النظرة ، وينفذ معها إلى القلب أسرع من نفوذ الهوى في المكان الخالي ؛ فيمثل له صورة المنظور إليه ، ويزينها ، ويجعلها صنما يعكف عليه القلب ،ثم يعده ، ويمنيه ، ويوقد على القلب نار الشهوة ، ويلقى عليه حطب المعاصي التي لم يكن يتوصل إليها بدون تلك الصورة، فيصير القلب في اللهيب ؛ فمن ذلك اللهيب تلك الأنفاس التي يجد فيها وهج النار ، وتلك الزفرات والحرقات ؛ فإن القلب قد أحاطت به النيران من كل جانب؛ فهو في وسطها كالشاة في وسط التنور.
التاسعة :أنه يفرغ القلب للفكرة في مصالحه والاشتغال بها ، وإطلاق البصر ينسيه ذلك ويحول بينه وبينه ؛ فينفرط عليه أمره . قال تعالى ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ﴾ .
(1) والطقطقة : صوت حوافر البغال . والهملجة : الانقياد والذل . والبراذين : الدواب .